تقاريرأزمة المشتقات النفطية في مناطق سيطرة الحوثيين ونُذر مجاعة غير مسبوقة

15 مارس، 2022by News.Editor0

أزمة خانقة تجعل حياة المدنيين على المحك، لاسيما الفئات الأشد فقرًا والمهمشين، فغالبًا ما يفتقر هؤلاء الناس إلى القدرة على تحمل كلفة الزيادة في أسعار السلع والخدمات، وتتضاءل قدرتهم على التنقل والحركة، ويتضاءل أمامهم أفق للعيش وتغيب عنهم أبسط مقومات الحياة.

* مركز العربية السعيدة:

 

تشهد مناطق سيطرة الحوثيين في اليمن أزمة مشتقات نفطية هي الأشد منذ سبع سنوات، بدأت الأزمة الحالية في شهر يناير الماضي، في أعقاب قرار الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، أواخر ديسمبر 2021، حصر توزيع وبيع المشتقات النفطية المورّدة في السوق المحلية بشركة النفط اليمنية في عدن، وهو القرار الذي يبدو أنه حال دون قدرة شركة النفط اليمنية بصنعاء وفروعها في بقية المحافظات الخاضعة لسيطرة الحوثيين على استيراد النفط وتوزيعه، كما منع التجار من استيراد النفط إلى هذه المحافظات “الأمر الذي حذر اقتصاديون حينها من أنه ستترتب عليه تأثيرات كارثية جراء نقص إمدادات الوقود أو انعدامها”[1].

سياق تطور الأزمة الراهنة:

ومما عقَّد من هذه الأزمة تزامنها مع استيلاء قوات الحوثي على سفينة ترفع علم الإمارات، بحجة أنها سفينة عسكرية تم الاستيلاء عليها بعد دخولها المياه الإقليمية اليمنية، حيث صار يُنظر لميناء الحديدة باعتباره منطلقًا لممارسة القرصنة البحرية من قبل الحوثيين، ومنفذًا لتهريب السلاح، الأمر الذي أسهم في تعقيد استيراد الوقود عبر ميناء الحديدة، فسلطات الحوثي أسهمت في تفاقم هذه الأزمة، من خلال نهجها القائم على استثمار معاناة المواطنين، وعدم الاكتراث بتبعات أعمالها العدائية، وإصرارها على الاستفادة من الأزمات في تحقيق المزيد من الثراء، من خلال خلق سوق سوداء أكثر ارتفاعًا في السعر، محتكرة من قبلها، ومنع دخول المشتقات النفطية من مناطق سيطرة الحكومة اليمنية إلى مناطق سيطرتها، عبر مختلف المنافذ، الأمر الذي أسهم في خلق أزمة وقود غير مسبوقة يعاني منها المواطنون الذين أنهكتهم الأزمات المتلاحقة*.

تداعيات الأزمة في سياق اجتماعي هش:

يتجلى التأثير المباشر لهذه الأزمة على مختلف شرائح المجتمع في ارتفاع سعر أسطوانة الغاز المنزلي المتاح في السوق السوداء إلى أكثر من 20000 ريال، أي ما يعادل 33 دولارًا، في مقابل 4700 ريال، السعر الذي اعتمدته جماعة الحوثي لبيع الأسطوانة عبر عقال الحارات، حيث تحصل كل أسرة على أسطوانة واحدة كل شهرين تقريبًا[2]، وهي كمية تقل عن احتياج الأسرة بأكثر من النصف، ولا تقل معاناة أرباب المطاعم عن غيرهم من المواطنين، فقد تم توقيف حصصهم الرسمية من الغاز، الأمر الذي اضطرهم لشراء احتياجاتهم منه عبر السوق السوداء، وهو ما جعلهم أمام خيارين إما تحمل الزيادة الباهظة في الأسعار من دون أي تغيير في أسعار المأكولات التي يعرضونها، في ظل القدرة الشرائية المتدنية للمستهلك، أو إغلاق محلاتهم، ومما يضاعف من خسائر قطاع الخدمات عدم انتظام محطات الكهرباء في تقديم خدماتها، وارتفاع رسوم الكهرباء، وتصاعد أجور النقل.

فمن تجليات تأثير أزمة المشتقات النفطية غير المباشرة تعريض قطاع النقل والمواصلات للشلل، جراء شح المعروض من الوقود، الأمر الذي اضطر السائقين للاصطفاف بسياراتهم أمام محطات بيع البنزين في طوابير طويلة ليومين أو أكثر ليحصل كلٍ منهم على 40 لتر، وهي الحصة المحددة لكل سائق في كل خمسة أيام *ما يعني عدم قدرة سائقي الأجرة على العمل أكثر من يومين في الأسبوع، وتوقف العديد من سائقي المركبات عن عملهم بسبب أزمة الوقود، ناهيك عن عجز قطاع النقل عن استيعاب حركة تنقل الركاب، واحتياجات المسافرين لوسائل المواصلات، كما نجم عن هذه الأزمة ارتفاع أجور النقل بنسب تصل إلى الضعف، فمن 100 ريال للراكب وصلت الأجرة إلى 200 ريال، والشيء نفسه حدث من قبل شاحنات نقل مياه الشرب، التي رفعت أسعارها من 12000 ريال لكل ستة متر مكعب من المياه، إلى 23000 ألف ريال.

كما ارتفعت أسعار الخدمات الأساسية، فقد عانى قطاع الكهرباء من الشلل شبه التام، جراء أزمة المشتقات النفطية، وهو ما دفع مالكي محطات الكهرباء لرفع سعر الكيلو وات من الكهرباء من 300 ريال إلى 680 ريالًا، ولعل أكثر القطاعات الخدمية تأثرًا بأزمة الوقود الراهنة قطاع الخدمات الطبية والعلاجية في المستشفيات العامة والخاصة، على حدٍ سواء، الأمر الذي يعرض حياة الآلاف من المرضى للخطر.

وتسببت هذه الأزمة في رفع تكاليف الإنتاج الزراعي، ففي محافظات شمال اليمن حيث الزراعة نمط الإنتاج التقليدي السائد، والذي يعتمد على الري من الآبار الجوفية بدرجة أساسية بواسطة مضخات يعمل معظمها بالبنزين، أدت أزمة الوقود إلى ارتفاع تكاليف الري، إذ ارتفع سعر الدبة البنزين 20 لتراً إلى 25000 ريال، مقابل 11000 ريال قبل الأزمة، بحسب بعض الفلاحين في محافظة ذمار، الذين قالوا إنهم صاروا يدفعون 11000 ريال مقابل ساعة ري، بعد أن كانوا يدفعون فقط 6000 مقابل الساعة الواحدة لري حقولهم من الآبار الارتوازية، ومن شأن ذلك أن يضاعف من أزمة الغذاء ويحرم قطاع واسع من السكان من مصدر دخل أساسي خصوصاً بعد انقطاع رواتب الموظفين واتجاه الكثير منهم إلى العمل في الزراعة.

ولا يقتصر تأثير هذه الأزمة على القطاعات المشار إليها سابقًا، “فتفاقم أزمة الوقود المستمرة أسهمت في ارتفاع أسعار السلع الأساسية”[3]، ومنها المواد الغذائية، إذ ارتفع سعر الكيس القمح من 16000 ريال إلى 25000 ريال، خلال أيام، ومن شأن ذلك أن يفاقم من حدة أزمة الغذاء، وسط تحذيرات برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة من نفاد الأموال لمواصلة تقديم المساعدات الغذائية إلى 13 مليون شخص في اليمن. اعتبارًا من كانون الثاني (يناير) الماضي، حيث بات يحصل فقط ثمانية ملايين على حصص غذائية مخفضة، بينما يتعرض خمسة ملايين يمني لخطر الانزلاق في المجاعة[4].

وفي الواقع أسهمت أزمة المشتقات النفطية خانقة إلى ارتفاع الأسعار وتفاقم ظاهرة الجوع، التي أدت بدورها إلى تفشي ظواهر اجتماعية عديدة منها الانتحار الذي بات حدثًا معتادًا في العاصمة صنعاء، وفي هذا السياق يسرد أحد السكان مدينة صنعاء أن سبعة أشخاص أقدموا على الانتحار في الحارة التي يسكنها، خلال الشهر الماضي وحده، ومعظمهم من أرباب الأسر،  ويضيف أن السلطات الحوثية تقوم بتأديب كل أسرة حدثت فيها حالة انتحار مبلغ مئة ألف ريال، تحت مسمى الحق العام، ولا تقتصر التداعيات الاجتماعية لهذه الأزمة الخانقة على ظاهرة الانتحار، فبحسب المصدر أن نحو 13 حالات طلاق في نفس الحي وقعت خلال الشهر ذاته[5].

 

خاتمة:

ويمكن القول إن هذه الأزمة نقلت المعركة، في جزءٍ كبيرٍ منها، من خطوط التماس بين قوات الحوثيين وقوات الحكومة اليمنية المدعومة من التحالف العربي إلى واقع الحياة المعيشية للأهالي في مناطق سيطرة الحوثيين، إلا إن تغير خطوط المواجهة يجعل حياة المدنيين على المحك، لاسيما الفئات الأشد فقرًا والمهمشين، فغالبًا ما يفتقر هؤلاء الناس إلى القدرة على تحمل كلفة الزيادة في أسعار السلع والخدمات، وتتضاءل قدرتهم على التنقل والحركة، ويتضاءل أمامهم أفق للعيش وتغيب عنهم أبسط مقومات الحياة.

وفي ظل تنصل السلطات القائمة عن المهام والمسؤوليات القانونية والأخلاقية يظل الأمل في قيام المنظمات الدولية العاملة في المجال الإنساني ووسائل الإعلام بتوجيه الاهتمام نحو معالجة هذه الأزمة، والتأثير على الجهات المعنية للمساهمة في وضع الحلول المطلوبة لإيصال إمدادات الوقود التي تفي باحتياجات السوق المحلية في هذه المناطق، عبر استئناف العمل بالتفاهمات السابقة بشأن دخول المشتقات النفطية إلى ميناء الحديدة، ومن خلال فتح ممرات آمنة لعبور شاحنات الوقود، في مناطق النزاع، والسماح بعبور شاحنات نقل الوقود عبر الطرق البرية، ومنها خط الرملة في الجوف وغيره من الخطوط التي تتيح وصول المشتقات النفطية بأقل التكاليف الممكنة، بما يسهم في الحد من تفاقم هذه الأزمة وتداعياتها الاقتصادية التي جعلت المجتمع على شفا مجاعة واسعة.

الهوامش:

[1] أزمة وقود تخنق اليمنيين، 14/01/2022

https://www.alahednews.com.lb/article.php?id=38751&cid=123

* عادت أزمة الوقود في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بعد فترة استقرار مبنية على تفاهمات برعاية دولية أدت إلى تخفيف القيود المفروضة على استيراد الوقود عبر ميناء الحديدة على الساحل الغربي لليمن على البحر الأحمر.

[2] مصدر محلي في أمانة العاصمة، بتاريخ 3/3/ 2022..

* السعر الرسمي الذي كانت تعتمده سلطات الحوثي حتى قبل أزمة الحرب على أكرانيا 11200 ريال لصفيحة البزين، إلا إن السعر وصل حاليًا إلى 13500 ريال..

[3] Kali Robinson, Yemen’s Tragedy: War, Stalemate, and Suffering, https://www.cfr.org/backgrounder/yemen-crisis

[4] YEMEN, Situation Report, 11 Jan 2022, https://reports.unocha.org/en/country/yemen

[5] مصدر محلي في أمانة العاصمة، بتاريخ 9/ 3/ 2022.

News.Editor

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

مقر المركز
تابعونا على وسائل التواصل الاجتماعي

الاشتراك في النشرة البريدية

    جميع الحقوق محفوظة ©  لدى مركز العربية السعيدة للدراسات 2021

    Open chat