دراساتسياساتاتفاق الرياض.. “بين الأهمية والتعثر”

المماطلة في تنفيذ اتفاق الرياض ستبقي الوضع متأزمًا في المناطق الجنوبية المحررة، وسوف تزيد من توتر الأوضاع فيها، وتضاعف معاناة المواطنين.

 

 د. فضل عبدالله الربيعي

 

المقدمــــة:

في السابع من أغسطس 2019، اندلعت المواجهات المسلحة بين قوات الحكومة اليمنية وقوات المجلس الانتقالي الجنوبية (اللذين ينتميان إلى المعسكر المقاوم للحوثي)، وعلى إثر تلك المواجهات قامت المملكة العربية السعودية بتوجيه دعوة للطرفين، تطلب منهما وقف القتال والتوجه إلى جدة للحوار. وبعد قرابة أربعة أشهر من الحوار “غير المباشر”، توصل الطرفان، وبجهود الوسيط (المملكة العربية السعودية)، إلى صيغة اتفاق بينهما تم توقيعه في الخامس من نوفمبر من العام نفسه، بمدينة الرياض، بحضور وتأييد إقليمي ودولي. وقد مرّ على ذلك التوقيع حتى اليوم قرابة خمسة وعشرون شهرًا، ولم يتم تنفيذ بنود الاتفاق، لأسباب عدة.

لقد جاء ذلك الصراع بين الحكومة و”الانتقالي” على خلفية ما آلت إليه الأوضاع في المناطق الجنوبية المحررة بعد حرب دامت خمسة أشهر بين المقاومة الجنوبية التي تصدت للمليشيات الحوثية وقوى الجيش اليمني المتحالفة معها، عند غزوهما للجنوب في مارس 2015، حيث تمكنت المقاومة الجنوبية، بمساعدة التحالف العربي، من طرد المليشيات الحوثية والقوى المتحالفة معها من مدينة عدن وبعض المناطق الجنوبية الأخرى.

ومنذ ذلك التاريخ، تشهد الساحة السياسية الجنوبية نشاطًا واسعًا على الصعيدين السياسي والعسكري، تقف خلفه عدد من المحركات والمحددات التي تتصل بنضال الجنوبيين المستمر منذ خمس وعشرين سنة، ينادون بفك الارتباط عن الشمال والعودة إلى دولتهم الجنوبية. ويعود هذا الحراك في الأصل إلى تصور الجنوبيين بوصفهم ذوي هوية وطنية مستقلة عن الشمال، جرى إخضاعهم قسرًا لهوية غير هويتهم، بعد الانقضاض على مشروع الوحدة الذي أُعلن عام 1990، بين جمهوريتي اليمن، وانتهى بالحرب واجتياح الجنوب عام 1994 من قبل قوات نظام صنعاء.

 

تشمل الورقة العناصر الآتية:

أولًا: المقاربة المنهجية للورقة:

1: الأهداف:

تهدف هذه الورقة إلى الآتي:

  • إبراز أهمية اتفاق الرياض في مسار إحلال السلام في اليمن.
  • الكشف عن أسباب تعثر تنفيذ اتفاق الرياض.

ج. الوصول إلى استنتاجات وتوصيات تساعد في تسريع عملية تنفيذ الاتفاق.

2: أهميـــة الورقة:

تكمن أهمية هذه الورقة في أنها تعد مقاربة تحليلية تفسر اتفاق الرياض من خلال تسليط الضوء على خلفيات ومسببات الاتفاق، وأهميته، وتعثر تنفيذه.

3: المنهجيـــــــــة:

اعتمدت الورقة وفقًا لطبيعة وخصوصية موضوعها على المنهج التحليلي الوصفي، من خلال تحليل تداعيات الصراعات بين طرفي الاتفاق وأسبابه وأبعاده. فضلًا عن المنهج الاستقرائي لاستقراء واقع الاتفاق في كيفية بناء السلام من أجل الوصول إلى استنتاجات وتوصيات عملية تجيب على أهداف هذه الورقة.

4: الفرضية التي استند عليها اتفاق الرياض:

تضع المعطيات التي وصلت إليها الأزمة اليمنية، والمتمثلة في استمرار الصراعات وتعقيدها وزيادة حدة الانقسامات بين أطراف التحالفات -الضرورة- التي فرضتها حرب 2015؛ تضع أمام التحالف والراعين الدوليين والقوى السياسية والمدنية، أهمية التعاطي مع أحد بدائل إنهاء الأزمة، عبر التفكير بقيام حوارات معمقة وموسعة بوصفها إحدى الفرص الماثلة والمتاحة لإنهاء حالة الحرب الدائرة في اليمن. وعليه جاء اتفاق الرياض الموقع بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي، لتصحيح وتقوية مسار التحالف تجاه حشد القوى والسير نحو إنهاء الأزمة اليمنية وإحلال السلام.

 

ثانيًا: الخلفيات العامة للاتفاق:

  • الحراك الجنوبي:

ظهر الحراك الجنوبي كحركة احتجاجية شعبية مناوئة لنظام صنعاء الذي تصفه بالمحتل، بعد أن قوض الوحدة السلمية بحرب صيف 1994، وقضى على مشروع الوحدة السلمية التي أُعلنت بين الجمهوريتين (في اليمن) عام 1990، إذ حولت الجنوب إلى ساحة للحرب استمرت 73 يومًا، دعمتها الفتوى الدينية الباطلة التي أصدرها عبدالوهاب الديلمي، وزير العدل أثناء الحرب، والذي كفّر فيها الجنوبيين، وأجاز قتلهم، وأباح ممتلكاتهم[1]. وأكدت الممارسات الفعلية لنظام صنعاء، خلال السنوات الماضية، صحّة الرواية التي تقول إن الحرب قد أنهت الوحدة[2]. ومنذ ذلك التاريخ دخل الجنوب عهدًا جديدًا من انتهاكات لحقوق الإنسان، تعرضت جميع قطاعات المجتمع لانتهاكات وتدمير ممنهج ومستمر، عانى الجنوبيون كثيرًا من جراء الممارسات ضدهم، والتي اتسمت بصيغة معاملات المحتل. وقد ظهر الحراك الجنوبي السلمي كحركة اجتماعية شعبية رافضة لهذا الوضع والممارسات التي تستهدفهم، وينادي بالاستقلال وفك الارتباط عن صنعاء، وقد تجسد ذلك النشاط عبر تنظيم الاحتجاجات السلمية الواسعة والمختلفة التي استمرت طوال السنوات الماضية، وتحديدًا من 2007 إلى 2015.

لذا كان الحراك الجنوبي السلمي معبرًا عن رفض كل ما لحق بالجنوبيين من قمع وتعسف وتهميش وإلغاء وتدمير هويتهم وتاريخهم ونهب أراضيهم وثرواتهم وحرمانهم من استحقاقاتهم الحضارية والتاريخية والاجتماعية، وتسريح مئات الآلاف من الموظفين العسكريين والمدنيين الجنوبيين من أعمالهم، وعسكرة الحياة المدنية وممارسة أبشع صور القمع من قتل وجرح وتشريد وملاحقة، والزج بأعداد كبيرة من أبناء الجنوب في السجون[3].

والواقع أن الحراك الجنوبي هو حركة سلمية احتجاجية ضم في صفوفه فئات اجتماعية مختلفة وشخصيات سياسية وعسكرية وأكاديمية وطلابًا وموظفين، وغيرهم من المواطنين الرافضين لكل ما لحق بهم من مظالم، يناضلون بكل الوسائل السلمية المتاحة لاستعادة حقوقهم ودولتهم المستقلة[4].

 

  • المقاومة الجنوبية:

المقاومة الجنوبية هي مقاومة شعبية مسلحة ظهرت كرد فعل على غزو مليشيات الحوثي للجنوب في 2015، وقد ضمت في صفوفها فئات واسعة من أبناء الجنوب (قوى الحراك والسلفيين والعسكريين السابقين في الجيش الجنوبي)، وتشكل فئة الشباب حوالي 85% منها.

حيث التقت مصالح المقاومة الجنوبية مع دول التحالف العربي التي رأت أن حرب الحوثي على الجنوب تشكل خطرًا على الجنوب بخاصة، وأمن المنطقة استقرارها بعامة.

إن واقع الحرب قد أوجد فرصة للجنوبيين المطالبين باستعادة دولتهم، كمدخل نحو تحقيق مطلبهم باستقلال الجنوب وفرض أمر واقع يتجاوز إهمال المجتمع الدولي لقضيتهم، قد يلتفت له الخارج الذي ظل الجنوبيون ينادونه من وقت طويل في نضالهم السلمي عبر المهرجانات والمسيرات والاعتصامات، دون جدوى[5]. وبهذا استطاعت المقاومة الجنوبية طرد الحوثي من أغلب مناطق الجنوب بعد خمسة أشهر من القتال الضار[6].

 

  1. تأسيس المجلس الانتقالي:

جاء تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي كامتداد لتراكم نشاط الحراك الجنوبي، بل يعد ثمرة نضال القوى السياسية والاجتماعية والمقاومة الجنوبية معًا، التي عبرت عنه كثير من الرؤى والأدبيات والتوجهات السياسية والفكرية للمكونات والقوى والنخب والأفراد والمؤسسات الفكرية ومنظمات المجتمع المدني في الجنوب، خلال السنوا ت الماضية.

وعليه، جاء تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي تلبية لرغبة وطنية جنوبية، ترى أهمية وجود قيادة سياسية جنوبية تمثل الجنوبيين، والانتقال بهم إلى عملية يتصرف من خلالها كإطار سياسي مستقل، وصولًا إلى تحقيق هدف الجنوبيين بالحصول على استقلالهم الكامل عن نظام صنعاء، عبر ممارسة العمل السياسي الذي يمكنهم من السير في اتجاه مواجهة التحديات القادمة التي يمارسها تحالف نظام صنعاء (القبلي الطائفي والسياسي)، هذا من ناحية؛ ومن ناحية أخرى، يحافظ على النصر الذي حققته المقاومة الجنوبية في حربها ضد المليشيات الحوثية، إذ كان لا بد من رفد النصر العسكري بالنصر السياسي، الذي عبر عنه تأسيس المجلس الانتقالي، خصوصًا بعد أن اتضحت كثير من الأمور المتمثلة في فشل حسم الحرب في الشمال، وتعمد الحكومة الشرعية إهمال المناطق المحررة، وتحكم الانقلابيين في صنعاء بالسيطرة على كل المقدرات المالية والإدارية في البلد.

إن انتظام العملية السياسية للحراك الجنوبي كان يستدعي وجود مؤسسة سياسية واضحة تتعامل مع الواقع ببعديه الاستراتيجي والتكتيكي معًا، والاستفادة من التجارب السابقة التي مرت بها العملية السياسية، وما طالها من عبث مارسته سلطات نظام صنعاء، منذ حرب 1994، مرورًا بأحداث 2011 ومؤتمر الحوار، وتصاعد موجات المظاهرات والاحتجاجات الشعبية منذ 1994، وتصاعدها المستمر (2007-2015)، وصولًا إلى الحرب الأخيرة 2015 وما تلاها من تحولات، كل ذلك قد ساعد في وضوح قضية الجنوب[7].

 

ثالثًا: الحرب في المناطق الجنوبية بين الحكومة و”الانتقالي”:

تشير الأحداث التي جرت وتجري في الجنوب خلال السنوات السبع الماضية التي تلت حرب 2015، وخصوصًا بعد طرد الحوثيين من المناطق الجنوبية، إلى أنها ذات أبعاد سياسية ووطنية تتجسد على أرض الواقع، معبرة عن عمق القضية الجنوبية، وتسير وفق محركات ومحددات محلية جنوبية ترتبط بمسائل تصوّر المواطنين في الجنوب عن أنفسهم كونهم ذوي هوية وطنية مستقلة، عبرت عنها تحركاتهم المتواصلة منذ أن شن نظام صنعاء حربه على الجنوب في 1994. وقد كان لهذه المحركات دورٌ كبيرٌ ضمن دورة من الأحداث والتطورات المحلية والخارجية التي جرت خلال السنوات السبع الماضية، تصاعد فيها النشاط السياسي والإعلامي والعسكري والمدني في الجنوب، ولعل أبرزها هو ذلك الدور الذي لعبته قوى المقاومة الجنوبية بقيادة المجلس الانتقالي الجنوبي، في مواجهة قوى الإرهاب والتطرف[8]، التي لم تستطع القيام بها حكومات اليمن المتعاقبة خلال السنوات الماضية، رغم ما قُدم لها من دعم أممي وإقليمي، وأمام تردي الأوضاع العامة في المحافظات المحررة، ولاسيما عدن، وبعد تمادي الحكومة الشرعية واستفزازها للمواطن الجنوبي بعامة، وتهميش قوى المقاومة الجنوبية الحقيقية، ونصبها العداء لقضية الجنوب والمجلس الانتقالي الجنوبي. لم يتحمل المواطن الجنوبي هذا الوضع بعد كل التضحيات التي قدمها أبناؤه في الحرب، حيث دعت النقابات العمالية ومؤسسات المجتمع المدني، في بيان لها، إلى تظاهرات شعبية سلمية في عدن، يوم 18 يناير 2018، تحمل فيها الحكومة مسؤوليتها الكاملة تجاه تردي الأوضاع في عدن والمناطق المحررة بعامة. وقد واجهت الحكومة تلك الاحتجاجات بالقمع وإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين، وسقط إثرها عدد من الضحايا.

وفي العام التالي، أي في الأول من أغسطس 2019، استشهد القائد العسكري العميد أبو اليمامة، قائد اللواء الأول دعم وإسناد، والذي يعد من أبرز الضباط الجنوبيين[9]. وعلى إثر هذا الحادث أصدر المجلس الانتقالي بيانًا سياسيًا هامًا حول مقتل هذا القائد، قال فيه بأن هذه العملية “مؤامرة” تواطأت فيها الحكومة مع جماعة الحوثي، وتوعد بالرد على ذلك. وفي 8 أغسطس تم تشييع جنازة العميد أبو اليمامة وسبعة عشر شخصًا آخرين استشهدوا بنفس الحادث معه، وتحت غضب المشيعين الذين هتفوا بطرد الحكومة من عدن عندما تجمع بعضهم بالقرب من الطريق المؤدية إلى معاشيق، باشرت قوات اللواء الأول حماية رئاسية بإطلاق الرصاص على المواطنين المشيعين، وسقط حوالي أربعة شهداء، واستمر القتال بين الطرفين في اليوم الثاني والثالث، سقط خلالها حوالي 22 شخصًا من الطرفين، حيث عاشت عدن توترًا ملحوظًا بين قوات الحرس واللواء 39 جيش وبعض أفراد من القوات الخاصة والنجدة من جهة؛ وقوات الانتقالي من جهة ثانية، وتوسعت دائرة المواجهات لتشمل مناطق مختلفة في عدن وأبين وشبوة، تمكنت القوات التابعة للمجلس الانتقالي من إحكام السيطرة على الكثير من المواقع في عدن وأبين، بينما سيطرت شرعية الإخوان على محافظة شبوة.

كان التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، تدخل وسحب قيادة الشرعية من عدن إلى الرياض، ودعا الطرفين للحوار هناك، وقد تم توقيع الاتفاق بينهم، إلا أنه لم ينفذ على أرض الواقع، كما تكرر التصادم بين الطرفين، العام 2020، في قرن الكلاسي ومنطقة شقرة في محافظة أبين، استمر القتال بينهم حوالي ستة أشهر، راح ضحاياها العشرات من الطرفين، تدخلت السعودية، مرة أخرى، وكررت طلبها توقيف الحرب والعودة للتفاوض في الرياض، وتم تجديد الاتفاق الذي سمي “وثيقة تسريع اتفاق الرياض”، الذي نص على تشكيل حكومة المناصفة بين الشمال والجنوب، والعودة لممارسة مهامها من عدن، إلا أنه لم يتم تنفيذ بقية بنود الاتفاق حتى اليوم، بسبب اختلاف تفسير كل طرف لبنود تنفيذ الاتفاق من ناحية؛ ورفض تنفيذ الاتفاق من قبل حكومة الشرعية من ناحية أخرى.

 

رابعًا: تعثر تنفيذ اتفاق الرياض:

مرّ خمسة وعشرون شهرًا على توقيع اتفاق الرياض بين الحكومة والمجلس الانتقالي، ولم يتم الالتزام بتنفيذ بنود الاتفاق لأسباب عدة، منها ما يتعلق بأطراف الاتفاق أو بطبيعة الاتفاق الذي لم يحدد آلية واضحة وجهة إشرافية تتولى المتابعة والإشراف على تنفيذ الاتفاق. حيث شهدت الفترة التي تلت التوقيع على الاتفاق استمرار التوتر العسكري والسياسي والإعلامي بين طرفيه، والمواجهة العسكرية بينهما على خطوط التماس الميدانية في منطقة شفرة والشيخ سالم في محافظة أبين.

وقد عملت قوات الشرعية على تأزيم الموقف والدفع بقواتها من مأرب وشبوة ووادي حضرموت في اتجاه منطقة الصراع في مدينة شقرة، وعدم الالتزام بسحب قواتها من منطقة الصراع حتى اليوم، بحسب ما نص عليه الاتفاق، ودعوات اللجان المكلفة من قبل التحالف[10].

يمكن القول بأن التحدي الأهم الذي واجه تنفيذ الاتفاق، يتمثل باختلاف توجه الطرفين، المتمثل في التناقض بين مشروعهما السياسي، وهذا تحدٍّ يفرض نفسه بقوة على طرفي الاتفاق المتعلق بهويتهما السياسية وأهدافهما التي يسعيان إليها بغض النظر عن تقاطع مصالحهما مرحليًا مع أطراف أخرى.

لقد أفرزت مرحلة تعثر تنفيذ الاتفاق جوهر الأزمة المتمثلة في حزب الإصلاح المسيطر على مفاصل القرار السياسي في حكومة الشرعية، والذي ظهر كطرف معرقل للاتفاق، حيث يعمل على تصفية حساباته مع القضية الجنوبية. ويشكل العائق الرئيسي في تنفيذ اتفاق الرياض أو أية تسوية تخص الأزمة اليمنية بعامة، بسبب نفوذه الكبير في مؤسسات الشرعية، الأمر الذي يتطلب من التحالف العربي وشخص الرئيس الشرعي (هادي) مراجعة ذلك، والعمل على تحجيم نفوذ الإصلاح إذا ما أرادوا حلحلة الأوضاع وإحلال السلام في اليمن.

 

خامسًا: الاستنتاجات والتوصيات:

  1. الاستنتاجات:
  • إن عدم تنفيذ اتفاق الرياض قد أدى إلى تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية في المناطق المحررة، كالانهيار المتسارع في سعر العملة الوطنية أمام الدولار، وتدهور مستوى الخدمات في المحافظات الجنوبية المحررة، وتأخير صرف مرتبات العسكريين، بسبب غياب وضعف دور الحكومة، وعدم تنفيذ اتفاق الرياض الذي أعاق أداء مهامها، إذ يشكل الجانب الاقتصادي أهمية كبيرة بالدفع بالاتفاق نحو تعزيز الثقة بالحكومة الجديدة ورفدها بالموارد لتجابه المعضلات الاقتصادية.
  • إن المماطلة في تنفيذ اتفاق الرياض ستبقي الوضع متأزمًا في المناطق الجنوبية المحررة، وسوف تزيد من توتر الأوضاع فيها، وتضاعف معاناة المواطنين.
  • كما أن تأخر تنفيذ الاتفاق كان قد مكّن من تقوية الحوثي في مواجهته لقوات الشرعية وتفوقه في معارك مأرب وتوجهه نحو إعادة سيطرته على مناطق بيحان في محافظة شبوة في سبتمبر الماضي.

 

2: توصيات موجهة للمجلس الانتقالي:

* الدفع باستكمال تنفيذ اتفاق الرياض سوف يخدم البناء المؤسسي لمؤسسات الدولة في الجنوب وإدارة الموارد العامة التي تسهم من رفع معاناة المواطنين، وهو الأمر الذي سينعكس إيجابيًا على ثقة المواطنين بالانتقالي.

* الاستفادة من توظيف التعيينات التي تمر عبر المجلس الانتقالي الجنوبي واختياره للكفاءات الجنوبية المخلصة لقضية الجنوب، والتي يمكن أن تلعب دورًا واضحًا في تسويق قضية الجنوب في الخارج، وتصحيح الرؤى المضللة التي عملت عليها سلطات صنعاء في الماضي. كما أن مشاركة الانتقالي بكفاءات جنوبية نزيهة ومقتدرة سوف تعزز الثقة بالمجلس وتوسع دائرة سلطته في الدولة ومعالجة المبعدين من العمل خلال السنوات الماضية.

* إن التفكير في إدارة الاقتصاد في المناطق المحررة مسألة مهمة جدًا، تساعد على تحقيق الاستقرار الاقتصادي عبر تأمين مصادر مالية مستقلة تتحرر من هيمنة الحوثي على تلك الموارد، وإيجاد آلية واضحة يتم بموجبها تحويل الإيرادات إلى البنك المركزي بعدن، ذلك سوف يمكن من تقوية القدرة على توليد الدخل، من خلال طريقة إدارة القطاع النفطي والتجاري في حكومة المناصفة.

* إن مستقبل الاستقرار السياسي الداخلي، لا بد من السير فيه عبر الممارسة العملية وإبعاد خطر التيارات الأصولية والإرهاب، عبر عملية تنفيذ الجانب العسكري، لما لذلك من تأثير إيجابي على الاستقرار بالجنوب واليمن بخاصة، وفي الإقليم بعامة، خصوصًا وأن تجربة السنوات السابقة في محاولة نظام صنعاء إيجاد موطئ للإرهاب في الجنوب، كان قد شكل مصدر قلق للداخل الجنوبي ولدول الخارج، فإذا ما تمت مجابهة ذلك خلال الفترة القادمة، فسوف تغير نظرة المجتمع الدولي للداخل والثقة بجدية الدولة في مكافحة الإرهاب.

* إن تعزيز الاستقرار السياسي في المناطق المحررة وتفاعله مع الدول الفاعلة في المستويين الإقليمي والعالمي، كل ذلك يؤكد وضعًا مستقبليًا للمجلس الانتقالي، حتى وإن كانت ظروف هذه المرحلة ليست مناسبة لتحقيق مشروع الانتقالي في الوقت الراهن، بل سوف يساعد على وضع أكثر استقرارًا في المستقبل في تأمين خيارات الناس المشروعة.

الهوامش:

[1] – ويكيبيديا الموسوعة الحرة: https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A7%D9%83_%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D9%88%D8%A8%D9%8A، ود. جبران مفلح ، الحراك الجنوبي ، مطبعة وحدين، المكلا، 2010، ص 18-23.

[2] – مجموعة الازمات الدولية صحيفة الشرق الاوسط 30 أكتوبر 2011م، العدد12024، وفضل الربيعي فشل مشروع الوحدة بين جمهوريتي اليمن.

البيانات الصادرة عن المليونيات الاحتجاجية التي قامها الحراك الجنوبي من 2007-2015م. انظر:. [3]

[4]. فضل الربيعي ، فشل مشروع الوحدة بين جمهوريتي اليمن ، ط1، دار الابداع، عدن، 2013، ص 37.

[5] – انظر: ويكبيديا الموسوعة الحرة، https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%88%D9%85%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D9%88%D8%A8%D9%8A%D8%A9، راجع وثائق ندوة المقاومة الجنوبية، عدن، 2015م.

[6]– علي السليماني ، دور المقاومة الجنوبية في افشال التمدد الإيراني في اليمن، ورقة عمل مقدمة الى ندوة المقاومة الجنوبية، أغسطس، 2015م

[7] – فضل الربيعي، خارطة طريق لاستقلال الجنوب، أغسطس 2015م، انظر: صحيفة عدن الغد، 26 مارس 2016م، https://adengad.net/public/posts/196564.

[8] – انظر الرابط: https://www.alayyam.info/news/7DHPF0JR-KU9INA

[9] – تقرير يرصد حادث استشهاد أبو اليمامة وتداعياته، انظر: https://adengad.net/posts/402115

[10] – للمزيد انظر: https://www.aden-tm.net/NDetails.aspx?contid=154855، https://alsharaeanews.com/2021/07/09/66220/

أعدت هذه الورقة ضمن مشروع "اتفاق الرياض وعملية السلام في اليمن: مخاطر الفشل وفرص النجاح"، الذي يُنَفَّذه مركز العربية السعيدة للدراسات، بدعم من مؤسسة فريدريش ايبرت الألمانية، ويهدف إلى فهم الأسباب التي حالت دون تنفيذ هذا الاتفاق، وتقديم توصيات استرشادية واقعية للأطراف المعنية، للدفع نحو تنفيذه.

د.فضل الربيعي

أستاذ علم الاجتماع بجامعة عدن، ورئيس مركز مدار للدراسات والبحوث

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

مقر المركز
تابعونا على وسائل التواصل الاجتماعي

الاشتراك في النشرة البريدية

    جميع الحقوق محفوظة ©  لدى مركز العربية السعيدة للدراسات 2021

    Open chat