إصداراتدراساتسياساتالاحتجاجات المجتمعية المعيشية وأثرها على تنفيذ اتفاق الرياض

29 يناير، 2022by د.هاني المغلس0

تناولت هذه الورقة البحثية حركة الاحتجاجات المجتمعية المعيشية وتأثيرها على تنفيذ اتفاق الرياض، إضافة إلى التداعيات والانعكاسات على مستقبل العملية السياسية في اليمن بصفة عامة.

 

د.هاني المغلس

 

 

 

 

 

 

قراءة الورقة في صيغة PDF

الملخص التنفيذي

خلال شهر سبتمبر الفائت، كانت مناطق يمنية عدة خاضعة للحكومة وللمجلس الانتقالي الجنوبي، على موعد مع احتجاجات شعبية عفوية وغير مسبوقة، حيث خرج الآلاف إلى الشوارع العامة احتجاجًا على أزمة الوقود، وانهيار العملة الوطنية، وتردي الخدمات الأساسية، واستمرار انقطاع المرتبات. لقد أعادت الاحتجاجات في تلك المناطق إلى الواجهة أهمية استكمال تنفيذ اتفاق الرياض الموقع بين الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، وذلك كضرورة لوقف انهيار الأوضاع الاقتصادية، ومنع انزلاق الأوضاع إلى حالة عارمة من الفوضى.

تناولت هذه الورقة البحثية حركة الاحتجاجات المجتمعية المعيشية وتأثيرها على تنفيذ اتفاق الرياض، إضافة إلى التداعيات والانعكاسات على مستقبل العملية السياسية في اليمن بصفة عامة، وذلك من خلال ستة محاور بحثية هي: سياق الاحتجاجات المجتمعية المعيشية وأسبابها ودلالاتها، وتعاطي طرفي اتفاق الرياض مع الاحتجاجات وأنماط استجابتهما للمطالب، والتأثيرات المباشرة للاحتجاجات على طرفي اتفاق الرياض، وتأثير الاحتجاجات على عملية تنفيذ اتفاق الرياض، والتحديات والصعوبات التي تواجه التنفيذ الكامل للاتفاق، ومستقبل التنفيذ والانعكاسات المحتملة على العملية السياسية في اليمن.

على نحو أساسي، تقف الأوضاع الاقتصادية والمعيشية المتدهورة خلف الاحتجاجات المجتمعية للمواطنين، وتعمل على تأجيجها بين الحين والآخر، وبموازاة ذلك، ثمة شعور غائر بوجود جذور سياسية معقدة للمشكلات الاقتصادية، تعمل على إدامة هذه المشكلات ومفاقمتها على نحو كارثي، حيث يخضع نمط إدارة الاقتصاد لمصالح أطراف النزاع، وتتسع دائرة الفساد، وتنمو بشكل متزايد مصالح غير مشروعة على حساب الاقتصاد المعيشي للمواطنين. لهذه الأسباب تمثل الاحتجاجات صرخة مدوية ضد استمرار الحرب وطبقتها السياسية والعسكرية في مصادرة أولويات المواطنين الاقتصادية، وضد رهن حل المشكلات الاقتصادية بانتظارات سياسية طويلة الأجل، وبمآلات حرب لا تنبئ عن نهايات وشيكة.

على صعيد آخر، شكل التعامل الأمني قاسمًا مشتركًا في تعاطي الحكومة والمجلس الانتقالي مع الاحتجاجات. في حضرموت الخاضعة للشرعية سقط قتيلان وعدد غير معروف من الجرحى، واتخذت السلطات هناك تدابير صارمة لحظر التجوال الليلي. وفي عدن سقط قتيل واحد وعشرات الجرحى في صفوف المحتجين، وأعلن المجلس الانتقالي حالة الطوارئ في المدينة المنتفضة وفي بقية المحافظات الجنوبية، ويبدو أن الغرض من إعلان هذا الإجراء الذي يشمل محافظات جنوبية غير خاضعة لسلطة الانتقالي الفعلية (لايزال ساريًا حتى بعد عودة رئيس الحكومة وبعض الوزراء إلى عدن)، هو تكريس الوجود السياسي الرمزي لـ”الانتقالي” في تلك المحافظات، وليس مجرد فرض السيطرة الأمنية على الأوضاع في عدن. في السياق ذاته، عمد الانتقالي إلى إعادة توجيه الاحتجاجات الغاضبة باتجاه الحكومة، موظفًا مسألة استقلال الجنوب في محاولة حرف المطالب المعيشية نحو غايات سياسية. وبالتزامن مع استيلاء جماعة الحوثي على بعض مديريات محافظة شبوة الجنوبية، عمل الانتقالي كذلك على إثارة مخاوف الجنوبيين من “حرب وجودية” يشنها الحوثيون بالتواطؤ مع القوات الحكومية، لإعادة احتلال الجنوب.

الاستجابة الحكومية لمطالب الاحتجاجات كانت مختلفة بعض الشيء، حيث جرى التسريع بعودة رئيس الحكومة وبعض الوزراء إلى عدن من أجل ممارسة مهام إنقاذية ذات طبيعة اقتصادية صرفة، وقد اقترنت تلك العودة بـ”وعود اقتصادية” لتوفير دعم دولي وإقليمي للحكومة، أكثر من ارتباطها بتفاهمات متبادلة بين الحكومة والانتقالي بشأن استكمال تنفيذ اتفاق الرياض، أو وضع آلية جديدة ومزمنة تضمن التنفيذ الكامل للاتفاق. ويبدو كذلك أن التطورات العسكرية الداخلية المتمثلة في انهيار القوات الحكومية أمام تقدم الحوثيين في بعض جبهات مأرب الجنوبية، بالتزامن مع الاحتجاجات، لعبت دورًا في إقناع الحكومة بضرورة التواجد في الداخل خلال المرحلة المقبلة. على أية حال، جاءت عودة رئيس الحكومة إلى عدن استجابة لمجموعة متضافرة ومتشابكة من العوامل (الاحتجاجات، والمتغيرات العسكرية، والضغوط الدولية والإقليمية)، وليس كنتاج لتفاهمات مسبقة بين طرفي اتفاق الرياض، لذا فهي لا تعكس بالضرورة إرادة صلبة لدى الطرفين لطي صفحة الخلافات والعودة لاستكمال تنفيذ الاتفاق بحسن نية.

العودة غير الكاملة للحكومة إلى عدن، والتي جاءت من خارج سياق عملية مزمنة وواضحة المعالم لاستكمال تنفيذ اتفاق الرياض، أضعفت مركز الحكومة التي كان من المفترض أن تمثل عودتها إلى عدن فرصة لاستعادة تماسكها ووحدتها، كي تتمكن من كسب الثقة الدولية والإقليمية، وتنفيذ المهام الاقتصادية الدقيقة والملحة المنوطة بها. كما زادت تلك العودة غير المصحوبة بأية ضمانات تخص استكمال مسار تنفيذ الاتفاق، من حدة التباينات في صفوف السلطة الشرعية التي يقودها الرئيس هادي. في الوقت نفسه، من الواضح أن أضرارًا فادحة لحقت بالمكانة السياسية الداخلية للرئيس هادي أثناء الاحتجاجات، وبعدها، فقد هتف المحتجون الغاضبون ضده، ومزقوا صوره في بعض مدن حضرموت وتعز، كما وجه إليه، في وقت لاحق، سياسيون مرموقون مقربون منه، اتهامات غير مباشرة بالتماهي مع الأمر الواقع الذي يحاول الانتقالي فرضه تدريجيًا على حساب وحدة البلاد الترابية. وعلى الصعيد الخارجي، يمكن بسهولة ملاحظة ارتفاع وتيرة المطالب الدولية بتغيير قرار مجلس الأمن رقم 2216، وهذا يعني ضمنيًا الإطاحة الناعمة بالرئيس هادي، بالتزامن مع الاحتجاجات أو خلال الفترة الوجيزة التي أعقبتها.

في المقابل، أظهرت الاحتجاجات عمق الخلافات والتباينات الراكدة داخل المجلس الانتقالي، وساعدت في تحويل جزء منها إلى حركة انشقاق عسكرية غير مسبوقة في صفوفه خلال “أحداث كريتر” مطلع شهر أكتوبر 2021، إضافة لاستقالة قيادات من الانتقالي بالتلازم مع إعلانها التخلي عن المطالبة بحق تقرير مصير الجنوب. ومن غير المستبعد تجدد هذه الخلافات واتساع رقعتها في المستقبل، بخاصة إذا تأكد أن جزءًا منها يحمل دلالات جهوية.

في ما يتصل بتأثير الاحتجاجات على عملية تنفيذ اتفاق الرياض، جلبت الاحتجاجات وسلسلة التداعيات الناجمة عنها، مثل العودة الجزئية للحكومة إلى عدن، وضعًا أفضل للمضي في طريق استكمال تنفيذ الاتفاق، وإن لم يجرِ حتى الآن اختبار مدى قابلية هذا الوضع للاستدامة على نحو جدي، حيث كسرت الاحتجاجات الجمود الذي أصاب عملية التنفيذ المتوقفة منذ مغادرة الحكومة عدن في مارس الماضي، وهيأت أرضية جديدة لإطلاق حراك دبلوماسي دولي وإقليمي نشط، شمل عقد وفود دبلوماسية دولية، إضافة للمبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، سلسلة لقاءات مشجعة مع مسؤولي الانتقالي، لاستكشاف وجهات نظرهم عن قرب، وتشجيعهم على الانخراط في مفاوضات لاستكمال تنفيذ الاتفاق.

ومنتصف نوفمبر الفائت، تمكنت الرياض من إعادة الحياة جزئيًا إلى العملية التفاوضية غير المباشرة بين الشرعية والانتقالي، بعد تلبية رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي، دعوة عاجلة لزيارة الرياض، إثر تلويح المجلس بالانسحاب من الحكومة إذا لم تنجح بإيجاد معالجات سريعة للوضع الاقتصادي. ويبدو أن العملية التفاوضية غير المباشرة التي نجحت الرياض في إطلاقها بمساعدة جهد دبلوماسي دولي ملموس، بدأت تؤتي بعض الثمار، وتحديدًا في ما يتعلق بتحريك الشق الاقتصادي من اتفاق الرياض، فللمرة الأولى يرحب “الانتقالي”، مطلع ديسمبر الفائت، بقرارات الرئيس هادي المتعلقة بإعادة تشكيل مجلس إدارة البنك المركزي، ويحثه على اتخاذ المزيد من “القرارات التوافقية” الهادفة لتفعيل منظومة المؤسسات المالية والرقابية.

على صعيد متصل، دفعت الاحتجاجات، إضافة لتقدم الحوثيين العسكري باتجاه مأرب، الحكومة إلى التركيز على مسألة “توحيد الصف” مع القوى المناوئة للحوثيين، بما فيها المجلس الانتقالي، وتأجيل مطالباتها بتنفيذ ما تبقى من الشق العسكري/ الأمني من اتفاق الرياض، وهذا الأمر يسمح مستقبلًا بالتركيز على الجوانب السياسية من الاتفاق، وفي مقدمتها تشكيل وفد تفاوضي مشترك بين الطرفين في المشاورات النهائية مع الحوثيين، وحتى مع بقاء بعض القضايا العالقة الخاصة باستكمال تنفيذ الشق العسكري/ الأمني، فإن من المرجح ألا تعوق تلك القضايا بحد ذاتها التقدم في الجوانب الأخرى.

في مقابل التأثيرات الإيجابية التي تمثل فرصًا يمكن البناء عليها للمضي في طريق التنفيذ الكامل لاتفاق الرياض، هناك جملة من التحديات الماثلة، أبرزها تضارب أولويات ومطالب طرفي اتفاق الرياض، وصعوبة إخضاع قرارات الرئيس هادي للتوافق الكامل على النحو الذي يطالب به المجلس الانتقالي، إضافة إلى الانتقائية في التعامل مع بنود معينة من اتفاق الرياض، وتجاهل الالتزامات المقابلة، فضلًا عن استمرار التفاعلات الصراعية بين الطرفين على نحو ما هو حاصل في محافظة شبوة الغنية بالنفط والغاز.

بوجه عام، يعتمد مستقبل التنفيذ الكامل لاتفاق الرياض على مستوى النجاح في إيقاف الانهيار الاقتصادي الشامل، وتوفير حد معقول من الاستقرار المالي والنقدي، وتحسين الوضع المعيشي للمواطنين، بما في ذلك استئناف دفع المرتبات، وإيقاف التضخم وعمليات التلاعب بالعملة، وتحسين الخدمات العامة، والحد من تفاقم الكارثة الإنسانية. ولا شك أن تحقيق كل ذلك منوط بصورة أساسية بتثبيت بقاء الحكومة في عدن، وبجدية الحكومة في تحمل مسؤوليتها بشكل بناء، وقدرتها على إجراء الإصلاحات المطلوبة، إضافة إلى عمق التوجهات الدولية والإقليمية الداعمة للحكومة ولمسار تنفيذ الاتفاق.

ومن شأن إيجاد قاعدة استقرار مالي واقتصادي ملائمة، أن يعزز فرص تنفيذ الاتفاق، ويعمق الآثار الإيجابية التي نتجت عن الاحتجاجات المجتمعية، ويجعل من مرحلة ما بعد الاحتجاج نقطة تحول أساسية في اتجاه التنفيذ الكامل لاتفاق الرياض. على العكس من ذلك، سيفاقم الإخفاق في الجانب الاقتصادي والمالي صعوبات التنفيذ، ويزيد من حدّتها، وقد يتسبب بانتكاسات كبيرة يصعب توقعها. إن الترابط بين المسألة الاقتصادية ومسار تنفيذ اتفاق الرياض وشيج وأساسي للغاية، وسيستمر على هذا النحو، على الأقل حتى يستعيد الاقتصاد اليمني الحد الأدنى من عافيته، بعد ذلك فقط يمكن لتنفيذ الاتفاق أن يأخذ مسارًا مستقلًا نوعًا ما، ويمكن أن تكتنف هذا المسار فرص وتحديات غير منظورة الآن بسبب التشويش الذي يحدثه الانهيار الاقتصادي.

قصارى القول، توجد فرص أفضل لاستكمال تنفيذ اتفاق الرياض في المستقبل، لكنها في المدى المنظور لا تتجاوز عتبة تحريك ملف المفاوضات بين الطرفين، وفتح آفاق متقدمة للنقاش حول قضايا جوهرية في الاتفاق، من قبيل تشكيل الوفد التفاوضي المشترك، وربما بحث مسألة المستقبل السياسي للجنوب. أما النتائج النهائية المتوقعة بشأن ذلك، فغامضة، ومن المبكر الحديث عنها. ولكن في حال جرى استكمال تنفيذ اتفاق الرياض بصورة كاملة، أو قُطعت خطوات كبيرة ومتقدمة في هذا المضمار، فإن ذلك سيضيق الخناق على جماعة الحوثي سياسيًا واقتصاديًا، وسيدفعها نحو تعديل سلوكها تجاه جهود ومبادرات السلام، ويفسح مجالًا أوسع لعقد مشاورات سلام شاملة ومتعددة بإشراف الأمم المتحدة.

المقدمة

منتصف العام الجاري، اجتاحت العديد من المدن اليمنية الواقعة تحت سيطرة الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي، احتجاجات مجتمعية عارمة. تدفق الآلاف إلى شوارع كبريات المدن اليمنية “المحررة”، كتعز وعدن والمكلا وسيئون وعتق والضالع ولودر، للمطالبة بحلول عاجلة للأزمة الاقتصادية الخانقة، وإيقاف التدهور المستمر في سعر العملة الوطنية أمام العملات الأجنبية، وتوفير المشتقات النفطية والخدمات العامة، واستئناف صرف مرتبات موظفي القطاع العام.

تتناول هذه الورقة البحثية بالدراسة والتحليل، موضوع الاحتجاجات المجتمعية وأثرها على تنفيذ اتفاق الرياض الموقع بين الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، وتستشرف مستقبل تنفيذ الاتفاق في ضوء الأثر الذي خلّفته الاحتجاجات، والانعكاسات المحتملة على العملية السياسية في اليمن.

 

المنهجية

استُخدم في إعداد الورقة البحثية منهجية الرصد والتحليل البحثي للتطورات، القائمة على استقراء المعطيات والوقائع الجزئية، ذات العلاقة بالاحتجاجات وبمسار تنفيذ اتفاق الرياض، والربط بينها ربطًا كليًا وشموليًا للتوصل إلى فهم وتفسير اتجاه ومستوى التأثيرات الناجمة عن الاحتجاجات على عملية تنفيذ الاتفاق والعملية السياسية عمومًا. وتمت الاستعانة بمصادر متنوعة للمعلومات، كالمصادر الأولية المتمثلة في البيانات الرسمية لطرفي الاتفاق وتصريحات المسؤولين، وكذلك تحليل محتوى بعض الشعارات والخطابات الاحتجاجية للوقوف على دلالاتها. إضافة إلى المصادر الثانوية من قبيل الدراسات والأوراق البحثية ذات الصلة بموضوع البحث.

أولًا: الاحتجاجات المجتمعية؛ السياق، والأسباب، والدلالات

  1. في السياق الاقتصادي للاحتجاجات: لمحة عامة

ابتداء من شهر يونيو 2021، أخذ الوضع المعيشي لليمنيين منحى أكثر سوءًا، فقد تجددت أزمة انعدام المشتقات النفطية في العديد من المدن اليمنية، وبلغ سعر لتر البنزين الواحد نحو 750 ريالًا، ما تسبب في حدوث زيادات متسارعة في أسعار المواد الغذائية الأساسية. بموازاة ذلك، واصلت العملة الوطنية انهيارها أمام العملات الأجنبية، وبحلول منتصف شهر سبتمبر الماضي، كان سعر العملة اليمنية قد تجاوز عتبة الـ1100 ريال للدولار الأمريكي الواحد[1]، وهو انهيار كارثي وغير مسبوق في قيمة الريال، صاحبه زيادة في معدلات التضخم، وارتفاع عمولة الحوالات النقدية الداخلية من عدن إلى صنعاء بنحو 90% من القيمة الأصلية للحوالة، نتيجة لذلك تقلصت فرص البقاء دون حافة الفقر بالنسبة لشرائح أوسع من اليمنيين، وغدت ظروف العيش قاسية بطريقة تفوق الوصف.

بوجه عام، يُعزى التردي في الوضع الاقتصادي إلى تراجع إيرادات الدولة من إنتاج وتصدير النفط والغاز بسبب الحرب، إضافة إلى انخفاض التحويلات المالية من الخارج، بخاصة دول الخليج[2]، وعدم توفر احتياطي من النقد الأجنبي يكفي لتمويل الواردات من السلع الأساسية وتأمين استقرار العملة. لقد تمكنت الحكومة المنبثقة عن اتفاق الرياض من التعامل مع تبعات هذه المشكلة خلال العام 2019، بفضل الوديعة السعودية المقدرة بنحو ملياري دولار، غير أن نفاد الوديعة بنهاية العام 2020، بالتزامن مع اتهامات للحكومة بعدم الشفافية في استخدام أموال الوديعة، تسبب بإحجام الرياض عن تقديم وديعة إضافية تؤمن استقرارًا ماليًا لوقت أطول[3].

في السياق نفسه، كان لتخبط السياسات الحكومية في معالجة آثار الانقسام المالي الناجم عن قرار نقل مقر البنك المركزي من صنعاء إلى عدن، في سبتمبر من العام 2016، عواقب وخيمة على الوضع الاقتصادي، فقد اتجهت الحكومة، مع بداية العام 2017، إلى طباعة أوراق نقدية جديدة لمواجهة عجز الموازنة. وفي المقابل، قام الحوثيون تدريجيًا بحظر التداول بالعملة الجديدة في مناطق سيطرتهم، وأدى ذلك إلى تباين أسعار صرف العملات الأجنبية داخل البلاد، وتعميق الانقسام النقدي[4]. واصلت الحكومة طباعة كميات أكبر من الأوراق النقدية لمواجهة العجز في ميزان المدفوعات، ما تسبب في تضخم المعروض النقدي من العملة المحلية مقابل العملات الصعبة[5]، وتجاوز سعر الدولار الواحد عتبة الـ1700 ريال.

  • في تفسير أسباب الاحتجاجات: جدل الاقتصادي والسياسي

كما هو واضح، يعد سوء الأوضاع الاقتصادية والمعيشية بفعل انهيار العملة وارتفاع الأسعار، السبب الأبرز وراء الاحتجاجات المجتمعية الأخيرة، غير أن العامل الاقتصادي كدافع للاحتجاج في سياق الحرب، هو في الحقيقة أكثر تركيبية مما قد يبدو عليه للوهلة الأولى، فقوة الدفع التي يمثلها هذا العامل بالنسبة للسلوك الاحتجاجي، لا تقتصر على ما يحدثه تراجع قيمة العملة وزيادة التضخم من مضاعفات مادية مباشرة على حياة ومعيشة المواطنين، بل تمتد لتشمل أيضًا ما تثيره الأوضاع المعيشية الناجمة عن سوء الحالة الاقتصادية من إدراكات شعبية عفوية للجذور السياسية السلبية والمعقدة للمشكلات الاقتصادية؛ فالمواطن الذي يرزح تحت حالة مزرية من البؤس المعيشي اليومي، يخشى من تأبيد هذه الحالة، بسبب تسييس ملف الاقتصاد، وربطه بحسابات حرب مبهمة لا تفصح عن نهايات قريبة.

منذ بداية الحرب والسياسيون من مختلف الأطياف يرهنون حل المشكلات الاقتصادية للمواطنين بانتظارات سياسية طويلة الأجل، تتعلق إما بتحقيق تسوية سياسية شاملة، أو ببلوغ نقطة “الحسم العسكري” لمصلحة الطرف الذي يحبذونه، والنتيجة هي مزيد من التدهور الاقتصادي، ومفاقمة الأوضاع الكارثية للمواطنين، أما الترتيبات والتسويات الجزئية، كاتفاق الرياض بين الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي (نوفمبر 2019)، وقبل ذلك اتفاق ستوكهولم بين الحكومة والحوثيين (ديسمبر 2018)، فبرهنت عجزها عن تحرير “قوت المواطن” من قبضة الحرب، ولجم التلاعب السياسي باقتصاد البسطاء، وهناك الكثير من الشواهد الدالة على ذلك.

أواخر العام 2019، جلب اتفاق الرياض إلى المشهد حكومة محاصصة “وطنية”، قال رئيسها إنها ذات أولويات اقتصادية، ولا علاقة لها بالسياسة أو بالشؤون العسكرية. في نهاية المطاف، بلغت الأزمة الاقتصادية ذروتها في عهد هذه الحكومة على نحو لم يحدث من قبل. بمنأى عن ذلك، ربما تكون المحاولة الأهم لمقاربة الملف الاقتصادي والإنساني عبر مسار مستقل عن المسارين السياسي والعسكري، هي تلك التي قام بها المبعوث الأممي السابق مارتن غريفيث منذ بداية العام 2019، منطلقًا من أرضية اتفاق ستوكهولم وتوقعاته المرتفعة باستجابة الأطراف. لبعض الوقت أنعشت محاولة “غريفيث” الآمال بإمكانية تحقيق نتائج جيدة في ما يتصل بإيداع عائدات ميناء الحديدة في البنك المركزي بالمدنية الخاضعة لسيطرة الحوثيين، واستئناف دفع مرتبات الموظفين، وفتح الطرقات والمعابر، وتوفير الخدمات الأساسية، والتخفيف من وطأة الأزمة الاقتصادية، غير أن هذه المحاولة لم تلبث أن ذهبت أدراج الرياح في 18 مايو 2021، حين صادر الحوثيون، دون سابق إنذار، مبلغ 35 مليار ريال يمني الذي كان قد تم توريده للبنك المركزي فرع الحديدة[6].

بكثير من الإصرار، أعاد “غريفيث” الكَرَّة، في منتصف العام 2020، ولكن بصورة أوسع نطاقًا من محاولته السابقة، فبعد أن وجه الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، دعوته إلى الأطراف اليمنية (مارس 2020) لوقف الأعمال العدائية، والتوحد في مواجهة كوفيد- 19[7]، سارع “غريفيث”، في أبريل 2020، لطرح فكرة التوقيع على “إعلان مشترك” يشمل ترتيبات اقتصادية جوهرية ضمن ترتيبات أخرى، وعرضها على الأطراف المتنازعة. لقد تصور المجتمع الدولي أن انتشار الجائحة في ظل اشتداد الأزمة الاقتصادية، وتزايد رقعة الكارثة الإنسانية، كافٍ لتحريك ضمائر أطراف النزاع ودفعها لتقديم تنازلات متبادلة. في النهاية تأكد للجميع أن هذا التصور كان ساذجًا إلى حد بعيد. لقد قادت المحصلة النهائية لجدل الاقتصادي مع السياسي/ العسكري على المستوى الرسمي، إلى تأكيد قابلية الأول للذوبان في الثاني والانطواء تحت تعقيداته وتفاصيله الملغزة واللانهائية، وهذه نتيجة مرعبة دون شك لملايين البسطاء الذين علقوا كثيرًا من الآمال على نجاح التحركات الأممية والتسويات الجزئية في تقليص هامش مصادرة الحرب والسياسة لأولويات المواطن الاقتصادية والمعيشية.

المثير للانتباه أن ملف الأزمة في اليمن شهد، خلال الفترة التي سبقت الاحتجاجات، ما يمكن وصفه بـ”موت الاقتصادي” في زخم الحرب. لقد تبخرت دون مقدمات الأحاديث المخادعة عن ملف إعادة الإعمار في اليمن، وتلاشت طموحات ساذجة حول عزم الإقليم إعادة إعمار “المناطق المحررة”، وتراجع مستوى التزام الدول المانحة بتمويل خطط الاستجابة الإنسانية الطارئة[8]، وبدت مسألة جلب الأموال الضرورية لتلبية الحد الأدنى من متطلبات الإغاثة، تحديًا لا يقل عن تحدي الجوع والعوز نفسه، وتسابقت المنظمات الدولية العاملة في اليمن على الإعلان عن تقليص برامجها الإغاثية، وتأجيج مخاوف الفقراء من مجاعة محدقة.

“موت الاقتصادي”، أو اضمحلاله وإهماله على المستوى الرسمي، دفع الشارع إلى الأخذ بزمام المبادرة، والهدف -كما يبدو- هو إعادة “الاقتصاد” إلى الواجهة، ولفت الأنظار إلى خطر تمدد الحرب على حساب اقتصاد البسطاء، وفي هذه المعركة لا يهم أن يكون المواطن منطقيًا في مطالبه وتعبيراته، أو أن يفكر بالطريقة التي يفكر فيها السياسي؛ المهم هو أن يتحلى بقدر كافٍ من “الرومانسية الاقتصادية” للقول بأنه يجب البحث عن حلول عاجلة للمشكلات الاقتصادية بصرف النظر عن أي أمور أخرى.

ثمة عوامل أخرى أسهمت في تأجيج حالة غضب الشارع اليمني في المناطق المشار إليها سابقًا، تصب في الإطار نفسه، منها الانفلات الأمني، وانتشار حالة الإحباط المجتمعي، ومن المرجح، أيضًا، أن الانكسارات العسكرية التي منيت بها القوات الحكومية أمام الحوثيين في جبهات البيضاء وشبوة ومأرب، لعبت دورًا في تقويض الثقة بقدرة الأطراف المناوئة للحوثيين –بما في ذلك الحكومة والمجلس الانتقالي- على دحر الحوثيين ووضع نهاية قريبة للحرب، ومن ثم للمعاناة الاقتصادية المرتبطة بها.

  • ديناميكيات الاحتجاج ودلالاته

نشبت أول المظاهر الاحتجاجية ضمن موجة الاحتجاجات المجتمعية الأخيرة على تردي الوضع الاقتصادي والمعيشي، في مدينة المكلا بمحافظة حضرموت، بتاريخ 9 سبتمبر 2021، حيث خرج المئات للتنديد بغلاء المعيشة وانعدام المشتقات النفطية، وسوء الخدمات[9]. وخلال أيام قليلة كانت أغلب مدن حضرموت، كسيئون وتريم والقطن وغيل باوزير والديس الشرقية، على موعد مع احتجاجات مماثلة، وقام شبان في أنحاء مختلفة من تلك المدن بقطع الطرقات العامة، ومحاولة إجبار بعض المحال التجارية والمدارس على الإغلاق، فيما شهدت مدينة سيئون عصيانًا مدنيًا أدى إلى تعطيل الحركة في المدينة لبعض الوقت.

انطلقت من بعض أحياء مديرية كريتر، محافظة عدن، مظاهرات تلقائية، في 13 سبتمبر، ندد المحتجون فيها بانقطاع الكهرباء، وطالبوا بتحسين وضع الخدمات. وخلال ساعات شهدت كافة مديريات عدن تقريبًا احتجاجات مشابهة. كان محافظ عدن قرر، في 9 سبتمبر، تعليق الدراسة في جميع مدارس عدن، بسبب الحر وانقطاع الكهرباء[10]، كمسعى -في ما يبدو- لامتصاص غضب الأهالي الناجم عن زيادة معدل انقطاع التيار الكهربائي عن المدينة الى نحو 18 ساعة يوميًا بسبب أزمة الوقود، غير أن هذا الإجراء ربما أسهم في مفاقمة الاحتجاجات وزيادة وتيرة المشاركة فيها، إذ أظهرت صور الاحتجاجات في عدن مشاركة واسعة لفتيان في سن التعليم.

في 18 سبتمبر، خرجت مظاهرات كبيرة في مدينة تعز، بسبب أزمة الوقود، وانهيار العملة، وارتفاع الأسعار، وتردي مستوى الخدمات، وبحلول نهاية الشهر نفسه اتخذت المظاهرات طابعًا مشابهًا للاحتجاجات في كل من حضرموت وعدن، فعوضًا عن المظاهرات الحاشدة خرج المئات من الشبان في أحياء مختلفة من مدينة تعز، في احتجاجات متفرقة شهدت مواجهات مع القوى الأمنية، وإشعال الإطارات التالفة في الطرقات.

مَثَّلت مسألة انقطاع التيار الكهربائي عاملًا مهمًا في مفاقمة غضب الشارع في مدن حضرموت وعدن، أما في تعز فكان للإضراب الذي أعلنه سائقو الشاحنات التجارية، منذ بداية سبتمبر، احتجاجًا على الجبايات المالية في النقاط الأمنية الواقعة على طريق عدن- تعز[11]، دور أساسي في إشعال فتيل المظاهرات في المدينة، إضافة لجزء من ريفها الجنوبي، غير أن التحول في حركة الاحتجاج من نمط المظاهرات الغفيرة إلى المواجهات العنيفة والمباشرة مع الأمن، والتي استمرت نحو أسبوع، حدث بالتزامن مع إعلان هيئة تجار تعز الإضراب الشامل احتجاجًا على ارتفاع سعر العملة. وفي جميع الحالات يبدو أن إعلان جمعيات الصرافين في عدن تعليق أنشطة الصرافة والحوالات النقدية، وكذلك إغلاق محطات بيع الوقود، وتعطل الحركة التجارية، ساعد في تأجيج حركة الاحتجاج.

على الرغم من وحدة المطالب المتمثلة في حل أزمة الوقود، وإيقاف انهيار العملة، والحد من ارتفاع الأسعار، ورفع مستوى الخدمات، فقد أظهرت الاحتجاجات بعض الاختلافات المطلبية، ففي حضرموت وتعز تصدرت مسألة إقالة الفاسدين ومحاسبتهم، وفي المقدمة محافظي المحافظتين، مطالب حركة الاحتجاجات، وإن بدرجات متفاوتة، حيث كانت في حضرموت أوضح منها في تعز، وظهرت منذ اليوم الأول للاحتجاجات في المكلا ومدن حضرموت الأخرى، فيما تأخرت المطالبة بإقالة المحافظ في احتجاجات تعز إلى الأيام الأخيرة من شهر سبتمبر. أما احتجاجات عدن فلم تشهد مطالب مجتمعية خاصة بإقالة محافظ عدن الذي جاء بالتوافق بين الحكومة و”الانتقالي” وفق اتفاق الرياض.

ارتبط باحتجاجات حضرموت خطاب موجه نحو إبراز “القضية الجنوبية” في قالب مطلبي، حيث اتهم محتجون الحكومة بشن ما سموها “حرب خدمات” مقصودة على الجنوب. ويبدو أن ناشطي المجلس الانتقالي الجنوبي نجحوا إلى حد ما في توجيه دفة الاحتجاجات لبعض الوقت، بخاصة في مدينة المكلا التي كان “الانتقالي” نظم فيها مظاهرة حاشدة في يوليو 2021[12]، حيث أحرق محتجون، في اليوم الأول لاحتجاجات سبتمبر، مقر حزب التجمع اليمني للإصلاح المناوئ لـ”الانتقالي”[13]. أما في عدن فلوحظ طغيان المطالب المعيشية للاحتجاجات دون اتجاهات واضحة لإبراز خصوصية مطلبية جنوبية، وقد قاد محتجون مظاهرة باتجاه مقر المجلس الانتقالي، وأخرى باتجاه قصر معاشيق الذي يعد المقر المؤقت للحكومة (غير متواجدة فيه حينها)، ويقع تحت حماية قوات سعودية.

بوجه عام، امتزجت المطالب الاقتصادية في الاحتجاجات بدعوات سياسية غير منسقة لإسقاط الحكومة، وإنهاء دور التحالف الذي تقوده السعودية، وكانت أقوى هذه المطالب في حضرموت وتعز، ففي المكلا طالب محتجون برحيل التحالف العربي الذي تقوده السعودية، على الفور، وأقدم محتجون في مدينتي المكلا وتريم على تمزيق صور الرئيس عبد ربه منصور هادي والملك سلمان بن عبدالعزيز المنتشرة في شوارع المدينة[14]. في تعز، لم يكتفِ المحتجون بصب جام غضبهم على رئيس الحكومة معين عبدالملك (يتحدر من هذه المحافظة)، بل قاموا بتمزيق صور للرئيس هادي في بعض شوارع المدينة[15]، وأظهروا قدرًا من التعبير المجتمعي عن الاستياء وخيبة الأمل بـ”التحالف”، مطالبين المملكة العربية السعودية بتحمل مسؤولياتها إزاء انهيار الوضع الاقتصادي في اليمن.

  • الدلالة العامة للاحتجاج في سياق حرب

في العادة، لا تترك الحروب مساحة واسعة للاحتجاج المجتمعي، لذا فأول ما يلفت الانتباه في دلالات الفعل الاحتجاجي في مناطق سيطرة الحكومة والمجلس الانتقالي، هي جغرافيا الاحتجاج وعلاقتها بالحرب نفسها، فحيث يتشظى مشهد الحرب، وتفقد الأخيرة وظيفتها ومبررها باستمرار، تنمو مساحات فعل اجتماعي متدرجة للبحث عن فرص اعتيادية للحياة خارج إطار ما تبقى من حرب كانت حقيقية في يوم ما، أو في المساحة الضبابية الفاصلة بين الحرب والسلام.

في المناطق التي توصف بأنها “محررة”، وهذا يعني أنها غادرت، ولو جزئيًا، مربع الحرب، يصبح الغرض من الإبقاء على المجتمع تحت طائلة الحرب، أو استدعاء الحرب في صورة فوضى أمنية سائلة وغير مفهومة، هو مصادرة أولويات المواطنين الاقتصادية، أو مداراة العجز عن مواجهة اختبار السلطة، وتأجيل شروط حياة كريمة للمواطنين إلى أجل غير مسمى، أو إلى حين إنضاج أجندات غير جماهيرية وغير وطنية. هنا تصبح الحرب بنية مصالح وعلاقات فوقية مستقلة عن عالم المواطنين، حيث يتراجع موقع هؤلاء في هيكل مصالح الحرب واهتماماتها، ويتغذى شعورهم بالاغتراب عن تلك البنية وطبقتها السياسية والعسكرية، من خلال تعبيرات احتجاجية ذات منزع اقتصادي، لكنها مكتنزة بالدلالات السياسية الكثيفة التي تدين استمرار الحرب كمباراة نخبوية، تتنكر باطراد لغاياتها المعلنة -أيًا كانت تلك الغايات- وتواصل دون شفقة مهمة سحق المجتمع.

 

ثانيًا: أنماط تعاطي طرفي اتفاق الرياض مع الاحتجاجات والاستجابة للمطالب

  • العنف في مواجهة الاحتجاج

اتسم تعاطي طرفي اتفاق الرياض (الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي) مع الاحتجاجات بدرجات متفاوتة من العنف الموجه ضد المحتجين. فقد أطلقت الحكومة العنان للسلطات المحلية في تعز وحضرموت وشبوة للتعامل الأمني مع الاحتجاجات دون الخشية من عواقب قانونية، وحتى بعد سقوط ثلاثة قتلى وعشرات الجرحى في احتجاجات عدن وحضرموت، أحجمت الحكومة عن إدانة أعمال القمع التي تعرض لها المحتجون، ولم تتعهد بمحاسبة المتورطين في تلك الأعمال، أو اتخاذ إجراءات بإحالتهم للتحقيق. وخلال فترة انطلاق الاحتجاجات وحتى تاريخ عودة رئيس الحكومة إلى عدن (28 سبتمبر)، لوحظ عدم صدور أي بيان أو تصريح رسمي عن الهيئات الرسمية المكونة للسلطة الشرعية، يعكس موقفها من العنف المستخدم ضد الاحتجاجات، باستثناء كتلة نواب حضرموت بمجلس النواب، التي استنكرت استخدام الرصاص الحي ضد المتظاهرين السلميين، وطالبت بالتحقيق وتقديم من تثبت إدانته بإطلاق الرصاص الحي على المحتجين، إلى القضاء[16].

عقب تزايد ضغط الاحتجاجات على السلطات المحلية في تعز، واتساع رقعة التظاهرات لتشمل أجزاء من ريف تعز الجنوبي، خرج حزب التجمع اليمني للإصلاح، الذي يدير فعليًا الشؤون المحلية في المدينة، ببيان قال فيه إنه يقف “بكل وضوح إلى جانب مطالب المواطنين”، ودعا “الشرعية” إلى تحمل مسؤولياتها الكاملة. بيان “الإصلاح” بدا للكثيرين محاولة مكشوفة لتخفيف الضغط الشعبي على هيئاته المحلية، وتجنيب القوات المحسوبة عليه مزيدًا من التورط في قمع المحتجين، وربما إعادة الكرة إلى مرمى الحكومة التي يشارك فيها بعدد من الوزراء. علاوة على ذلك، أشار البيان إلى أن “تدابير المعالجة تبدأ أولًا بعودة الحكومة لممارسة أعمالها من عدن أو إحدى المحافظات المحررة”[17]، في مسعى لتذكير المحتجين بأن التدهور الاقتصادي ناجم عن تعثر تنفيذ اتفاق الرياض نتيجة تعنت المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يعد خصمًا لدودًا للإصلاح في الساحة الجنوبية.

في حضرموت، أعلن المحافظ فرج البحسني، وهو أيضًا قائد المنطقة العسكرية الثانية في المحافظة، حظرًا جزئيًا للتجوال اعتبارًا من الساعة الثامنة مساء وحتى السادسة صباحًا. وتحدث البحسني، في لقاء جمعه بقيادات عسكرية وأمنية، عن وجود “مخطط حوثي لاستهداف المناطق المحررة والمحافظات الجنوبية”، مشددًا على التصدي لأعمال الفوضى والإخلال بالأمن[18].

على الطرف الآخر، بدت الاحتجاجات في عدن مباغتة للمجلس الانتقالي الجنوبي، فبينما كان الأخير عاكفًا على تأجيج الاحتجاجات ضد “الشرعية” في بعض المناطق الجنوبية، فوجئ بخروج المئات من المحتجين إلى شوارع مديريات كريتر والشيخ عثمان والمنصورة والتواهي وغيرها، رافعين المطالب الاقتصادية ذاتها التي تتردد أصدائها في مدن الجنوب الأخرى، وشعارات غاضبة ضد المجلس الانتقالي و”الشرعية” معًا.

استخدم “الانتقالي” مستوى مفرطًا من العنف ضد المحتجين، وسقط نتيجة لذلك قتيل وعشرات الجرحى في مناطق متفرقة من عدن. وفي 15 سبتمبر، أعلن رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي، حالة الطوارئ في جميع المحافظات الجنوبية، داعيًا قواته إلى “الضرب بيد من حديد على العناصر التي تسعى لزعزعة الأمن والاستقرار”[19]. شكل إعلان حالة الطوارئ مؤشرًا على الشعور بالخطر من احتمال خروج الاحتجاجات عن السيطرة، غير أن الانتقالي أراد، أيضًا، من هذا الإجراء تكريس وجوده السلطوي الفعلي أو الرمزي في عدن والمحافظات الجنوبية الأخرى.

 

  • “الشرعية”: استجابة اقتصادية مقيدة بعوائق هيكلية

مع تصاعد الاحتجاجات خلال النصف الثاني من شهر سبتمبر، طالبت الحكومة اليمنية، على لسان وزير خارجيتها أحمد عوض بن مبارك، دول مجلس التعاون الخليجي، بدعم اقتصادي عاجل، وبعقد مؤتمر طارئ لاحتواء تدهور العملة والأوضاع المعيشية[20]. فعليًا، كانت الحكومة على علم بصعوبة الحصول على أي نوع من المساعدات والمنح الخارجية، بما في ذلك السماح لها باستخدام حقوق السحب المقدمة من صندوق النقد الدولي، قبل الشروع في إصلاحات اقتصادية، واستعادة الثقة الإقليمية والدولية بالحكومة وبنهجها الإداري والمالي[21]، وبالتالي فقدرة الحكومة على الاستجابة، حتى للحدود الدنيا من مطالب المحتجين عبر إضفاء تحسن سريع في الوضع الاقتصادي والمعيشي والخدمي، كانت محدودة للغاية كما هي فعلًا في السابق[22]. لكن الجديد هذه المرة، أن الاحتجاجات التي شغلت حيزًا جغرافيًا أوسع، وأثارت انتباه المعنيين بالملف اليمني من دول الإقليم والعالم، أجبرت “الشرعية” على التعجيل بعودة الحكومة إلى عدن كمدخل استجابة حتمي للمتغيرات الحاصلة في الداخل[23]، وما نجم عنها من ضغوط داخلية وخارجية، اقترنت بما يشبه “الوعود الاقتصادية” بتوفير الدعم الدولي والإقليمي للحكومة، أكثر من ارتباطها بتعهدات أكيدة بشأن استكمال تنفيذ اتفاق الرياض أو تهيئة الظروف الملائمة للتنفيذ.

ورغم أن البيان المشترك لدول الرباعية (الولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية والإمارات) بشأن الوضع الاقتصادي وانخفاض قيمة الريال اليمني، أكد في ثناياه على أهمية الإسراع في تنفيذ اتفاق الرياض[24]، فإن مضمون البيان جسد بصورة جلية إصرار المجتمع الدولي على عودة الحكومة إلى عدن لممارسة مهام إنقاذية ذات طبيعة اقتصادية صرفة، دون أن يضع تلك العودة في سياق عملية سياسية واضحة المعالم لاستكمال تنفيذ اتفاق الرياض، أو يعيد تأكيد الالتزامات المتبادلة بين طرفي الاتفاق، ويطور آلية جديدة ومزمنة تضمن التنفيذ.

كيفما كان شكل ومستوى استجابة الحكومة للمطالب الشعبية، فقد حدث بالتفاعل مع التوجهات الإقليمية والدولية لاحتواء خطر انزلاق الاحتجاجات إلى فوضى عارمة، وتطويق التقدم العسكري الهائل والسريع الذي أحرزه الحوثيون منذ منتصف العام 2021، وقد تمثلت نقطة الارتكاز المحورية في تلك التوجهات، التي يبدو أن الحكومة تعمل الآن في إطارها، في:

  • عودة رئيس الوزراء إلى عدن لإعطاء الثقة -قبل أي أمر آخر- بأن وصول الأوضاع الاقتصادية إلى نقطة الانهيار غير مسموح به.
  • تجديد الوظيفة الإقليمية لاتفاق الرياض، والمتمثلة بكونه إطارًا تحالفيًا ذا أبعاد عسكرية قصيرة الأجل، لإعادة تنظيم العلاقة بين القوى المحلية المناوئة للحوثيين (تحديدًا “الشرعية” والمجلس الانتقالي) تحت قيادة الدولة الراعية للاتفاق (السعودية)، لتوجيه أولويات تلك القوى نحو كبح اندفاع الحوثيين عسكريًا باتجاه السيطرة على مناطق جديدة، ومنع حدوث اختلال فادح في ميزان القوة الداخلية يحبط توجهات السلام الدولية والإقليمية، ويزيد من حدة التهديد للأمن الإقليمي ولحرية الملاحة البحرية في المنطقة.
  • “الانتقالي”: تكييف سياسي للمطالب

قبيل عودة رئيس الحكومة إلى عدن، أواخر سبتمبر الفائت، رفض المجلس الانتقالي التراجع عن إعلان “حالة الطوارئ”، وقال الناطق باسم المجلس، علي الكثيري (22 سبتمبر)، إن “التحركات في المناطق الجنوبية تأتي بتخطيط وتنسيق من جانب الحوثيين والإصلاح. قرار إعلان حالة الطوارئ جاء في لحظة حاسمة لمواجهة هذا التهديد”[25]. ثم ما لبث “الانتقالي” أن كرر اتهاماته للحكومة بالإخفاق في إدارة الجنوب، والفشل في تقديم الخدمات العامة، قائلًا إن “الأوضاع المعيشية الكارثية، والأزمات الاقتصادية المُدمرة، تأتي في سياق الحرب كاملة الأركان، والسياسات المتعمدة الهادفة لتركيع شعب الجنوب الأبي، وإثارة الفوضى في محافظات الجنوب المحررة”[26].

لقد عمل “الانتقالي” على تحويل مجرى الفعل الاحتجاجي إلى فعل ضد الحكومة وحدها، وذلك من خلال توجيه الاتهامات بالفشل الاقتصادي المتعمد إلى الحكومة، وتبرئة ساحته من تبعات تعثر تنفيذ اتفاق الرياض، بالتلازم مع إعادة التموضع في إطار قضية استقلال الجنوب لحرف المطالب المعيشية نحو غايات سياسية مرتفعة، وتعزيز المخاوف من “حرب وجودية” يشنها الحوثيون لإعادة احتلال الجنوب من بوابته الشرقية (شبوة)، بالتواطؤ مع القوات الحكومية التي درجت -بحسب بيان لـ”الانتقالي”- على تسليم مواقعها للحوثيين دون قتال نكاية بالجنوبيين وقضيتهم العادلة[27]. وبوصفه فاعلًا غير رسمي، تمتع “الانتقالي” بمرونة جيدة في اتخاذ إجراءات استثنائية لمواجهة الاحتجاجات دون تحمل أكلاف عالية، ثم اتجه لتكريس “حالة الطوارئ” بدلالتها الأمنية والسياسية (حتى بعد عودة رئيس الحكومة إلى عدن)، ليجبر الحكومة على ممارسة “مهامها الاقتصادية” تحت سقف “حالة الاستثناء” التي يفرضها “الانتقالي” كسلطة فوق حكومية تدعي تمثيل إرادة الجنوبيين، وتقوم فعليًا بدور المعارض للحكومة، وليس الشريك في تحمل المسؤوليات.

ثالثًا: التأثيرات المباشرة للاحتجاجات على طرفي اتفاق الرياض

  • الشرعية اليمنية: تباينات ومصير مجهول

مثلت الاحتجاجات المجتمعية سببًا مباشرًا في العودة السريعة لرئيس الحكومة وبعض الوزراء إلى عدن، دون اقتران تلك العودة بتعهدات موازية من “الانتقالي” تخص انخراطه بصورة إيجابية في استكمال تنفيذ اتفاق الرياض، وتهيئة ظروف العودة الكاملة للحكومة إلى عدن، وتحمل التزاماته الاقتصادية وفق اتفاق الرياض، بما في ذلك العمل جنبًا إلى جنب مع الحكومة لتفعيل المؤسسات الإيرادية بدءًا من العاصمة المؤقتة عدن. لقد عمقت عودة رئيس الحكومة على هذا النحو التباينات في صفوف الشرعية[28]، ومن الواضح أن رفض عدد من الوزراء العودة لممارسة أعمالهم من عدن، مؤشر على ذلك. في الواقع، تبدو الحكومة الموجودة حاليًا في عدن أشبه بـ”ترويكا مصغرة” من الوزراء المعنيين بالملف الاقتصادي، يرأسها رئيس وزراء من غير التكنوقراط، وهذا يثير تساؤلات كثيرة بشأن مدى قدرتها الفعلية على إحداث تغيير ملموس في الوضع الاقتصادي، إضافة إلى أن استمرار العمل من خلال هذه الوضعية يضعف الطابع المؤسسي لحكومة تعاني في الأصل من ضعف انسجام مكوناتها الأساسية. وعلى الرغم من أن الحكومة تحظى في الوقت الراهن بتأييد دولي وإقليمي واضح، فإن الاحتجاجات المنددة بالفساد والعبث بالمال العام تجعل الدول والمنظمات الحكومية في الإقليم وخارجه أكثر حذرًا في التعامل مع الحكومة، أو تقديم المزيد من الأموال التي تطالب الحكومة بتخصيصها لسد الفجوة التمويلية، ولأغراض تحقيق الاستقرار الاقتصادي والتنمية المستدامة.

في سياق متصل، أضعفت الاحتجاجات بصورة متزايدة السلطة الشرعية ممثلة بالرئيس هادي. لقد ظهر الرئيس هادي معزولًا تمامًا عن الأحداث، أثناء جريان الاحتجاجات، وعاجزًا عن اتخاذ قرارات سريعة تستجيب للتطورات في الشارع، كما لقوى وازنة في “الشرعية”، قابلًا للتماهي مع الأمر الواقع الذي يعمل “الانتقالي” على فرضه بصورة متدرجة. ونتيجة لكل ذلك، فقد تضررت مكانته السياسية على الصعيد الداخلي على نحو واضح[29]. وليس من قبيل المصادفة أن يتصاعد الحديث خلال موجة الاحتجاجات، في شهري سبتمبر وأكتوبر، عن جهود إقليمية ودولية لتغيير قرار مجلس الأمن رقم 2216، أو إدخال تعديلات جوهرية عليه، والذي يعني في حال حدوثه -ضمن ما يعنيه- إطاحة ناعمة بالرئيس هادي من منصبه. ونهاية أكتوبر/ تشرين الأول الفائت، أخذ الحديث في هذا الأمر شكلًا مختلفًا، فقد قال ريتشارد أوبنهايم، سفير المملكة المتحدة الجديد إلى اليمن، لجريدة “الشرق الأوسط” السعودية، إن “اليمن بحاجة إلى قرار يضفي الشرعية على أي تسوية سياسية شاملة..”، مضيفًا: “نحتاج لقرار جديد يعكس هذه التسوية، لكن يجب أن ينعكس القرار على التسوية، وليس العكس، ومن الممكن أن نتحدث عن مضمون القرار قبل التسوية، وأنا على يقين أن المجتمع الدولي جاهز لقرار جديد في الوقت المناسب لكي يعطي الشرعية الدولية للتسوية بين الأطراف”[30]. بالإمكان، أيضًا، ملاحظة أن تزايد الاهتمام الدولي والإقليمي بالحكومة عقب الاحتجاجات قد يهيئ لإضعاف قبضة الرئيس هادي عليها في المستقبل، على أن ذلك مرتبط بمدى ما تحققه من نجاحات.

  • المجلس الانتقالي الجنوبي: انقسام قابل للاتساع

مطلع أكتوبر الفائت، شهدت مديرية كريتر بعدن اشتباكات عنيفة بالأسلحة المتوسطة والثقيلة بين عناصر مسلحة موالية للقيادي بقوات الدعم والإسناد، والقائد السابق لمعسكر 20 التابع لـ”الانتقالي”، “إمام النوبي”، من جهة، وقوات الحزام الأمني الذراع العسكرية الأقوى للمجلس الانتقالي الجنوبي، من جهة ثانية. خلال الاشتباكات تلقى إمام النوبي دعمًا لوجستيًا بطريقة غير معروفة من أخيه مختار النوبي، قائد اللواء الخامس في ردفان (لحج)، ونائب قائد قوات الدعم والإسناد التابعة لـ”الانتقالي”، ما ساعد “إمام” على الصمود لأيام متتابعة في وجه قوات الحزام الأمني التي استعانت بألوية مكافحة الإرهاب وقوات العاصفة، ورغم ذلك أخفقت في اقتحام حي الطويلة الذي تحصن فيه إمام النوبي بكريتر، إلا بعد وساطة سُمح بموجبها لـ”إمام” بالخروج الآمن من عدن[31].

اشتعل فتيل المواجهات بين فصائل الانتقالي بعد أن أقدم مسلحون يتبعون إمام النوبي على محاولة اختطاف مدير البحث الجنائي في شرطة كريتر، بسبب رفضه إطلاق سراح محتجزين على ذمة الاحتجاجات المطالبة بتحسين الوضع الخدمي والمعيشي. وقد أعلن النوبي، في ذروة المواجهات، عما وصفه بـ”المقاومة الشعبية” ضد “الانتقالي”، مطالبًا بإخراج قواته من عدن، والشروع في محاربة الفساد، وإطلاق سراح المعتقلين أثناء الاحتجاجات[32]. في الواقع، ثمة دوافع لانشقاق النوبي يعتقد أنها أكثر أهمية مما عكسته “لائحة مطالبه” المشار إليها، كالتباينات الجهوية بين مجموعات “الضالع” و”ردفان” و”يافع” داخل “الانتقالي”، وصراع النفوذ والمصالح المرتبط بهما. وعلى كلٍّ، فقد حاول النوبي (ينتمي إلى ردفان) الاستفادة من الاحتجاجات المعيشية لتسليط الضوء على فساد وتسلط من وصفهم بـ”مليشيات الجبل”، في إشارة غير خافية، وذات دلالة جهوية، لقادة المجلس الانتقالي المنتمين إلى الضالع، وفي مقدمتهم رئيس المجلس عيدروس الزبيدي. والحقيقة أن الخبرة التاريخية بالصراعات الجنوبية -الجنوبية تؤكد الحضور النشط للعامل الجهوي في قلب تلك الصراعات، بصرف النظر عن نطاقاتها ونتائجها، وهذا ما لا يمكن استبعاده أيضًا في حالة هذا الصراع المحدود.

بالنتيجة، وهذا هو الأمر الأكثر أهمية الآن، يمكن القول إن الاحتجاجات أضعفت بالفعل التماسك الداخلي لـ”الانتقالي”، على الرغم من قدرته على احتواء الموقف الأمني، ونجاحه قبل ذلك في قمع المتظاهرين، وساعدت في تحويل الخلافات والتباينات الراكدة إلى حركة انشقاق عسكرية غير مسبوقة في صفوفه[33]. ولقد أمكن للاحتجاجات والحركة الانشقاقية أن تفرز في عقر دار “الانتقالي”، وفي سياق أمني مضطرب، خطابًا يمثل من زوايا عدة الوجه الآخر لخطاب السلطة الشرعية، وتحديدًا من حيث نيله من مصداقية وجدوى “خطاب الانفصال” الذي يمثل جوهر شرعية “الانتقالي”، وكذلك إدانته لسلوك “الانتقالي” في ما يخص تنفيذ اتفاق الرياض، فخلال الاحتجاجات أعلن قياديون في “الانتقالي” استقالتهم من المجلس، مؤكدين التخلي عن المطالبة باستقلال الجنوب، ومنهم بدر صائل، عضو القيادة المحلية لـ”الانتقالي” في زنجبار. كما أن المطلب الذي أعلن عنه إمام النوبي، أثناء انشقاقه، والخاص بإخراج فصائل “الانتقالي” من عدن، يلتقي تمامًا مع مطالب مسؤولين في الحكومة بخصوص استكمال تنفيذ اتفاق الرياض، علاوة على ذلك، فإن خروج إمام النوبي من عدن إلى شقرة (أبين) حيث ترابط القوات الحكومية، وهو ما أكدته معلومات متواترة، يبقي على حركته الانشقاقية حية وقابلة للانفجار مرة أخرى في وجه “الانتقالي”، بخاصة إذا ما تأكد أن لها جذورًا “هوياتية” غائرة[34].

وكان مختار النوبي -الأخ غير الشقيق لإمام- استجاب لجهود تحقيق التقارب بين “الانتقالي” والحكومة الشرعية، التي قادها رجال دين سلفيون، مع بدء سقوط بعض مديريات محافظة شبوة الجنوبية في يد جماعة الحوثي. وفي أواخر سبتمبر، زار وفد عسكري من “الانتقالي”، يرأسه النوبي، جبهة لودر بأبين، وهي إحدى نقاط التماس الخاملة بين القوات الحكومية وقوات جماعة الحوثي، ليعلن من هناك عن تقديم قافلة دعم وإسناد لمقاومة لودر، وتأييده العمل الموحد من أجل دعم جبهات القتال ضد الحوثيين[35]. بطبيعة الحال، لم تحظَ هذه الخطوة بترحيب قيادة المجلس الانتقالي، رغم التزامها الصمت حيالها، لكن من المرجح أنها أججت حالة الخلاف داخل “الانتقالي” حول الطريقة الأفضل للتعاطي مع الدعوات الحكومية[36]، المصحوبة أيضًا بضغوط إقليمية ودولية، لتوحيد الصف من أجل مواجهة خطر الحوثيين.

 

رابعًا: تأثير الاحتجاجات على عملية تنفيذ اتفاق الرياض

بالإمكان الحديث عن التأثيرات الملموسة -ولكن المبدئية بطبيعتها- للاحتجاجات على عملية تنفيذ اتفاق الرياض، من خلال التالي:

  • كسر الجمود

عودة رئيس الحكومة إلى عدن، وإن جاءت من خارج سياق التفاهم على حل المشكلات التي أعاقت لسنتين تنفيذ اتفاق الرياض، فإنها تمثل أرضية جديدة لإطلاق حراك دبلوماسي دولي وإقليمي ضاغط، من أجل استكمال تنفيذ الاتفاق. لقد أصبحت الأبواب مشرعة أكثر من ذي قبل لحراك نشط من هذا النوع، حيث يوفر وجود رئيس الحكومة في عدن، فرصة جيدة لإجراء لقاءات مصاحبة مع مسؤولي “الانتقالي” هناك، بغرض استكشاف وجهات نظرهم عن قرب حول معوقات تنفيذ الاتفاق، وتشجيعهم على الانخراط في مفاوضات بناءة لتذليل الصعوبات. إن مثل هذه اللقاءات، التي يجريها دبلوماسيون دوليون، إضافة لمبعوث الأمين العام للأمم المتحدة هانز جروندبيرج، لم تكن لتتم دون المتغيرات التي جلبتها الاحتجاجات، وفي مقدمتها العودة الجزئية للحكومة إلى عدن. صحيح أن “الانتقالي” سيعمل على توظيف هذا الانفتاح لكسر عزلته الدولية، وربما يستخدمه كمنصة للترويج لمآربه السياسية المبالغ فيها، لكن الحقيقة الأكثر وضوحًا هي أن تنفيذ الاتفاق سيظل أملًا بعيد المنال بدون النقاش المباشر مع “الانتقالي”.

  • تعزيز فرص استئناف التفاوض

استقبل المجلس الانتقالي الإعلان عن عودة رئيس الوزراء إلى عدن بالترحيب بما وصفه “إنهاء الغياب غير المبرر لحكومة المناصفة”، ودعا الحكومة إلى القيام بمهامها الاقتصادية ودفع المرتبات بشكل فوري[37]. ومنتصف شهر أكتوبر 2021، دعا “الانتقالي” إلى “سرعة التئام الحكومة بكامل أعضائها في العاصمة عدن، وترك الغياب غير المبرر لبعض الوزراء”، كضرورة للقيام بمهامها في إنعاش الاقتصاد[38]. بعد ذلك بأيام، أكد رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي، التزام المجلس باستكمال تنفيذ اتفاق الرياض[39]، ما تسبب في إشاعة أجواء إيجابية حول إمكانية استئناف التفاوض بشأن تنفيذ ما تبقى من الاتفاق. عاد “الانتقالي” فأصدر بيانًا (9 نوفمبر) اتهم فيه الطرف الثاني (الشرعية) بالاستمرار في تعطيل استكمال تنفيذ اتفاق الرياض، والعمل على إضعاف دور حكومة التوافق[40]. وجاء في البيان أيضًا: “إن صبرنا قد بلغ مداه ولن يطول أكثر ما لم تتخذ إجراءات وتدابير عاجلة ومزمنة لاستكمال تنفيذ اتفاق الرياض”، مع التلويح بالانسحاب من المشاركة في الحكومة[41].

في ما يبدو، أراد “الانتقالي” القول بأن المشكلة الأساسية التي تعوق استكمال تنفيذ اتفاق الرياض، من وجهة نظره، هي “الشرعية”، وليست الحكومة المنبثقة عن الاتفاق، رغم مآخذه الكثيرة عليها. وربما تأكيد أن “الشرعية” التي يتهمها “الانتقالي” بأنها مخترقة من الإخوان المسلمين[42]، لن تنجح في تحويل الخلاف المتعلق باستكمال تنفيذ اتفاق الرياض إلى صراع بين “الانتقالي” والحكومة، أو التهرب من استحقاقات التنفيذ بمجرد إعادة رئيس الوزراء وبعض أعضاء الحكومة إلى عدن. لقد شكل بيان “الانتقالي”، رغم نبرته الحادة، دعوة غير صريحة للتفاوض مع “الشرعية” بشأن تدابير مزمنة لاستكمال تنفيذ اتفاق الرياض، بعيدًا عن محاولة استخدام الحكومة كعامل إلهاء، أو دفع “الانتقالي” للتعايش طويلًا مع حكومة عاجزة وغير مكتملة، فيما هناك شارع يغلي ويتأهب لموجات جديدة أكثر قسوة وعنفًا من موجة الاحتجاجات السابقة.

الحكومة نظرت إلى التصعيد في لهجة “الانتقالي” كعنصر لا يساعد على استعادة الثقة[43]، لكن البيان في الحقيقة سرَّع بجهود الدبلوماسية السعودية لاحتواء الموقف، وفي 15 نوفمبر، استدعت الرياض رئيس المجلس الانتقالي، عيدروس الزبيدي، للتشاور[44]. ومن الواضح أن ذلك مهَّد لإطلاق مفاوضات غير مباشرة بين “الشرعية” والمجلس الانتقالي بخصوص استكمال تنفيذ الاتفاق.

  • الشروع في تحريك الشق الاقتصادي

بالإمكان اعتبار حزمة القرارات التي اتخذها الرئيس هادي، مطلع ديسمبر الفائت، وشملت إعادة تشكيل مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، وتكليف الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة بمراجعة أعمال البنك المركزي، ثمرة لتوافق مبدئي بين “الشرعية” و”الانتقالي”، يبدو أنه نجم عن المحادثات غير المباشرة التي أجريت في الرياض، خلال نوفمبر -ديسمبر الفائتين، وللمرة الأولى يبارك “الانتقالي” قرارات الرئيس هادي التي اعتاد في السابق على وصفها بالانفرادية. لقد عززت هذه الخطوة احتمال مواصلة الطرفين انخراطهما في مفاوضات لاستكمال تنفيذ الشق الاقتصادي من اتفاق الرياض.

  • التخفيف من ضغط الشق العسكري/ الأمني على مسار التنفيذ

لا يعود التخفيف من ضغط الشق العسكري/ الأمني على مسار التنفيذ الكامل لاتفاق الرياض إلى طغيان الأولويات الاقتصادية بفعل الاحتجاجات فقط، ففي وقت سابق من العام 2020، تخلت الحكومة ضمنيًا عن المطالبة بتنفيذ بنود أساسية من اتفاق الرياض تتعلق بالشق العسكري/ الأمني، من بينها سحب جميع القوات العسكرية من عدن (وجميعها تابعة لـ”الانتقالي”)، وإعادة اللواء الأول حماية رئاسية (تابع لـ”الشرعية”) إلى عدن، وتجميع الأسلحة والآليات، ووضعها في معسكرات يحددها ويشرف عليها تحالف دعم الشرعية، وإعادة تنظيم القوات العسكرية والأمنية تحت القيادة الموحدة لوزارتي الدفاع والداخلية[45].

في يوليو/ تموز 2020، وَقَّعت “الشرعية” و”الانتقالي” على آلية تسريع تنفيذ اتفاق الرياض، التي تجاهلت بعض البنود المشار إليها من اتفاق الرياض، واستبدلتها بتدابير لـ”فصل القوات” في أبين، ونقلها إلى الجبهات، وترتيبات عسكرية وأمنية لإعادة انتشار وتموضع القوات العسكرية من العاصمة عدن إلى خارجها[46]. وفي الـ10 من ديسمبر/ كانون الأول، أعلنت المملكة العربية السعودية رسميًا عن اكتمال تنفيذ الترتيبات الخاصة بتنفيذ الشق العسكري/ الأمني من اتفاق الرياض بموجب الآلية[47]، واعتبر المجلس الانتقالي أن الشق العسكري/ الأمني قد نُفّذ بالفعل باستثناء انسحاب القوات الحكومية من المحافظات الجنوبية[48]، ولم يصدر عن “الشرعية” أي تعليق رسمي يخالف ذلك، بل أصدر الرئيس هادي، في حينه، مرسومًا بتشكيل الحكومة على قاعدة اكتمال تنفيذ الترتيبات العسكرية والأمنية.

مؤخرًا، قال وزير الداخلية اليمني -يمارس مهامه من خارج عدن- إن لا مشكلة لدى “الشرعية” مع “الانتقالي” في ما يتصل بالجانب الأمني، وإن المشكلة تكمن فقط في تعدد التشكيلات الأمنية وحالة الازدواج داخل مناطق سيطرة “الانتقالي”، ملمحًا إلى إمكانية التعامل مع جهاز أمني تابع لـ”الانتقالي” شريطة أن يكون موحدًا[49]. وهذا يعني المزيد من انحسار مطالب “الشرعية” المتعلقة بدمج القوات الأمنية التابعة لـ”الانتقالي”، وإلحاقها بوزارة الداخلية بموجب اتفاق الرياض.

بالنسبة لـ”الشرعية”، إذن، استُعِيض عن المطالبة بتنفيذ الشق العسكري/ الأمني من اتفاق الرياض، بخطاب “توحيد الصف”، وفي طريق عودته من الرياض إلى عدن، توقف رئيس الوزراء اليمني في محافظة شبوة، والتقى هناك بالمحافظ المثير للجدل بن عديو، بسبب مطالبته الإمارات بإخلاء منشأة بلحاف الحيوية لتصدير الغاز المسال. وفي حديثه مع المحافظ، قال رئيس الحكومة إن جماعة الحوثي تسعى للسيطرة على اليمن تزامنًا مع الانهيار الاقتصادي الذي تشهده البلاد، وطالب المجلس الانتقالي وقوات طارق صالح بتوحيد الصف مع الشرعية لمواجهة خطر الحوثيين المشترك[50].

خطاب “توحيد الصف” إزاء المخاطر المشتركة التي يمثلها الحوثيون، غدا كلمة السر في النقاشات السياسية المرتبطة بجهود استكمال تنفيذ اتفاق الرياض، فالمبعوث الأمريكي إلى اليمن، تيم ليندركينج، التقى، في الرياض (17 نوفمبر/ تشرين الأول)، برئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي، وأكد له أن الوقت قد حان لكي تواجه “كافة الجماعات اليمنية” التهديدات المشتركة التي يمثلها الحوثيون، واستكمال تنفيذ اتفاق الرياض[51].

إجمالًا، يُظهِر “الانتقالي” تماهيًا لفظيًا مع هذا الخطاب، لكنه يمتنع فعليًا عن تقديم أي وعود بقتال الحوثيين جنبًا إلى جنب مع “الشرعية”[52]، وكثيرًا ما يخفق أيضًا في مقاومة شعوره الغامر بالنشوة، فقواته التي دأبت “الشرعية” لفترة من الزمن على المطالبة بإدماجها -وفقًا لاتفاق الرياض- تحت قيادة موحدة لوزارة الدفاع، واعتبرتها مليشيات مارقة، بات يُطلب منها المشاركة في المعارك ضد الحوثيين، وفتح جبهات قتال جديدة من موقع الحليف للشرعية، وليس التابع.

خامسًا: تحديات وصعوبات التنفيذ الكامل لاتفاق الرياض

في مقابل التأثيرات السابقة، والتي تمثل فرصًا يمكن البناء عليها للمضي في طريق التنفيذ الكامل لاتفاق الرياض، هناك جملة من التحديات التي مازالت ماثلة، ومن المرجح أن تلقي بظلال سلبية كثيفة على مستقبل التنفيذ الكامل للاتفاق، لعل من أهمها التالي:

  • صعوبة إخضاع قرارات الرئيس هادي لقاعدة التوافق الكامل

غياب مؤشرات قوية على أن مبدأ التوافق مع “الانتقالي” سيصبح القاعدة المعتمدة في اتخاذ القرارات الرئاسية الاقتصادية مستقبلًا. مع العلم أن “الانتقالي” يعمل على توسيع نطاق قاعدة التوافق لتشمل كافة قرارات الرئيس هادي والقرارات الحكومية عامة، بصرف النظر عن طبيعتها (اقتصادية/ سياسية/ عسكرية/ أمنية)، إضافة لمطالبته بإعادة النظر في قرارات رئاسية سابقة يصر على وصفها بالأحادية، ويرهن نجاح العملية التفاوضية في الرياض بالتراجع عنها[53].

يصعب على الرئيس هادي والقوى المحلية الداعمة له القبول بتقييد الصلاحيات في إطار التوافق مع “الانتقالي”، فالتوافق في هذه الحالة يعني نوعًا من الإدارة المشتركة، والواضح أن لا تجربة الرئيس هادي في الحكم، خلال المرحلة الانتقالية عقب الثورة الشعبية (2011-2014)، ولا أثناء الحرب، ترجح انصياعه لهذا النوع من الإدارة. وبالتالي فمع بقاء الرئيس هادي في الحكم، وإصرار “الانتقالي” على توسيع قاعدة التوافق كشرط مسبق للمضي قدمًا في المفاوضات، فإن مسار استكمال تنفيذ اتفاق الرياض سيكون حافلًا بالتحديات.

  • تضارب الأولويات والمطالب

خارج إطار بعض التدابير العاجلة لاستعادة الثقة بالبنك المركزي، وخلق تحسن سريع في وضع العملة، يبدو كل شيء قابلًا للخلاف بين “الشرعية” و”الانتقالي”. فبينما يتحدث المجلس الانتقالي عن إيداع إيرادات النفط والغاز والضرائب والجمارك وغيرها في البنك المركزي بالعاصمة عدن كأولوية للتعافي المالي[54]، يركز رئيس الحكومة على عنصر المساعدات والدعم الاقتصادي الدولي والإقليمي، متجاهلًا مسألة التحصيل الحكومي للإيرادات المالية.

في الوقت نفسه، يستمر التباين في وجهات النظر بين الطرفين حول طبيعة الإصلاحات المطلوبة في منظومة المؤسسات الاقتصادية والرقابية. حيث يطالب “الانتقالي” بإعادة تشكيل وتفعيل الهيئات الاقتصادية والرقابية (المجلس الاقتصادي الأعلى، وهيئة مكافحة الفساد، والجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة)[55]، غير مكترث بمسألة الترتيبات الخاصة بعقد جلسات للبرلمان اليمني (“الانتقالي” غير ممثل فيه) في عدن أو في سيئون بحضرموت، على الرغم من أن المدخل لتصويب عمل منظومة مؤسسات الدولة هو البدء بتفعيل الدور التشريعي والرقابي للبرلمان، بما في ذلك إقرار موازنة عامة للدولة عبر البرلمان.

ويحرص “الانتقالي” على تجديد مطالبه المتصلة بـ”إخراج القوات العسكرية من محافظات الجنوب (أبين، شبوة، حضرموت، المهرة)، والدفع بها لمواجهة مليشيات الحوثي، وتنقية القوات المسلحة والأمن من العناصر الإرهابية”[56](في إشارة للموالين لحزب الإصلاح الإسلامي الحليف لـ”الشرعية”)، كضرورة للتنفيذ الكامل لاتفاق الرياض. في المقابل، تبدي القوات الحكومية تمسكًا بالبقاء في مواقعها العسكرية في أبين وشبوة وحضرموت، حتى وهي بأمس الحاجة إلى تعزيز دفاعاتها العسكرية المتهاوية أمام الحوثيين في مأرب، لأن سحب تلك القوات يعني الشروع رسميًا في تقسيم البلد. ورغم سريان حالة التهدئة العسكرية بين “الشرعية” و”الانتقالي” يصعب التقليل من مخاطر الخلاف حول هذه المسألة، واستبعاد أن تفضي إلى تجدد المواجهات العسكرية المحدودة في بعض المناطق.

  • الانتقائية في تحمل الالتزامات

يمارس “الانتقالي” نوعًا من القفز نحو المرغوب به في اتفاق الرياض، متجاهلًا سلسلة من الخطوات والالتزامات التراتبية التي تقع على عاتقه، بما في ذلك التهيئة للعودة الكاملة للحكومة بجميع أعضائها -بمن في ذلك وزير الداخلية- وتمكينهم من أداء أعمالهم من العاصمة المؤقتة عدن. في هذا الصدد، قال عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي، إن “المرحلة الأولى تم تجاوزها، وتبقت مرحلة، ونحن على استعداد تام لتنفيذها”[57]، وهو يقصد بالمرحلة الثانية على الأرجح تشكيل الوفد التفاوضي المشترك مع الشرعية للمشاركة في المشاورات الشاملة مع جماعة الحوثي. والحقيقة أن “الانتقالي” يتشوق كثيرًا للوصول إلى هذه المرحلة التي تعني الإقرار بتمثيله السياسي للجنوب، ووضع مسألة استقلال الجنوب على أجندة مفاوضات ترعاها الأمم المتحدة.

  • استمرار التفاعلات الصراعية

أواخر نوفمبر الماضي، اندلعت مواجهات عسكرية شرسة بين القوات الحكومية وقوات النخبة الشبوانية التابعة للانتقالي، في محيط معسكر العَلَم الذي انسحبت منه القوات الإماراتية. وقد انتهت المواجهات سريعًا بسيطرة القوات الحكومية على المعسكر الواقع شرقي مدينة عتق، المركز الإداري لمحافظة شبوة. وإثر ذلك، صعد “الانتقالي” مطالبه بالإطاحة بمحافظ شبوة بن عديو من رأس السلطة المحلية في المحافظة، وعزز من دعمه للحراكات ذات الطابع القبلي والسياسي المطالبة بإقالة بن عديو، وأبرزها “لقاء الوطأة” القبلي الذي دعا إليه الشيخ عوض بن الوزير، وخرج بمطالب أبرزها إعادة تشكيل السلطة المحلية بالمحافظة وإخراج القوات الحكومية من المحافظة[58]. في الواقع، لا تمثل محافظة شبوة بؤرة توتر واحتقان عابرة بين طرفي اتفاق الرياض، بل هي مرشحة لكي تصبح ساحة تفاعلات صراعية معقدة ومستمرة، بالنظر للثروات النفطية والغازية الهائلة في هذه المحافظة الجنوبية الهامة، وانقسام الولاءات القبلية بين الطرفين.

سادسًا: مستقبل تنفيذ اتفاق الرياض والانعكاسات المحتملة على العملية السياسية في اليمن

  • مستقبل تنفيذ اتفاق الرياض في ضوء الاحتجاجات

ينطوي المستقبل القريب على فرص أفضل لاستكمال تنفيذ اتفاق الرياض، رغم أن الصعوبات أصبحت أكثر وضوحًا، وإثارة للمخاوف بشأن مخاطر غير منظورة قد تعترض مسار التنفيذ الكامل للاتفاق. في هذا الصدد، يمكن الإشارة إلى عاملين هامين تحققا لاتفاق الرياض بفعل حركة الاحتجاج المجتمعية المعيشية، أو جرى تعميق أثرهما من خلال تلك الحركة، وعلى الأرجح سيمنحان مسار التنفيذ زخمًا مختلفًا خلال المرحلة المقبلة:

العامل الأول هو تجذّر اتفاق الرياض كإطار ناظم للعلاقة بين “الشرعية” و”الانتقالي”، وهذا يقلص عمليًا من إمكانية النكوص أو التراجع عن الاتفاق، أو إعاقة تنفيذه إلى ما لا نهاية. لقد أعادت الاحتجاجات المجتمعية الاعتبار لاتفاق الرياض من زوايا عدة، فرغم سقف المطالب المرتفعة للشارع بإقالة الحكومة وإنهاء مهمة التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات، إلا أن حركة الاحتجاج بتنويعاتها وإيقاعاتها المختلفة لم تظهر اتجاهًا معارضًا لاتفاق الرياض، بل عززت مسألة تفعيل الاتفاق كمدخل لمعالجة الأوضاع الاقتصادية المنهارة. وفي الوقت نفسه، تبين للطرفين (الشرعية والانتقالي) أن الاتفاق يؤمن لهما قارب نجاة من وجه الاحتجاجات المجتمعية، في ظل عدم وجود بدائل أخرى يمكنهما الرهان عليها.

العامل الثاني يتمثل في أن الشق العسكري/ الأمني من اتفاق الرياض، والذي شكل لفترة من الزمن عقبة كأداء في طريق التنفيذ، تم بوجه عام تجاوزه من خلال ترتيبات واقعية متفق عليها (بموجب آلية تسريع تنفيذ اتفاق الرياض). ولحسن الحظ فقد جرى التأكيد على ذلك بصور مختلفة عقب الاحتجاجات الأخيرة (راجع المحور الرابع 4)، ما يعني فرصة أكبر لاحتواء التأثيرات غير المرغوبة لنقاط الخلاف المتبقية في هذا الجانب، والسماح بالتركيز على الجوانب السياسية من الاتفاق، المتمثلة بتشكيل وفد تفاوضي مشترك للمشاورات النهائية مع الحوثيين. ودون شك، تنتظر هذا الجانب المفصلي من الاتفاق صعوبات شاقة للغاية، واحتمالات قوية بحدوث تعثر مرحلي، لكن المهم أن النقاش حول هذا الجانب بات في المتناول أكثر من أي وقت مضى.

بوجه عام، يشكل العاملان المشار إليهما قوة دفع حقيقية باتجاه استكمال مسار التنفيذ المستقبلي للاتفاق، لكن نتائجهما الإيجابية والعملية متوقفة أولًا على توفير الحد المعقول من الاستقرار المالي والنقدي، وتحسين الوضع الاقتصادي والمعيشي للمواطنين، بما في ذلك استئناف دفع المرتبات، متضمنة الزيادة التي كانت الحكومة أقرتها في 2018، وإيقاف التضخم والتلاعب بالعملة، وتعزيز وضع الخدمات العامة، والحد من تفاقم الكارثة الإنسانية.

يمكن القول، إذن، إن مستقبل تنفيذ الاتفاق يرتكز في الأساس على قاعدة اقتصاد مستقر ماليًا، بالقدر الذي يهيئ المناخ لحدوث الأثر الإيجابي لمعطيات الاحتجاج الأكثر عمقًا، ويسمح بالولوج نحو منعطف جديد في مسار عملية التنفيذ، وفتح آفاق متقدمة للنقاش كان من الصعب ارتيادها في السابق، على الرغم من الصعوبات الكثيرة المنتظرة، واحتمالات التعثر المرحلي، وغموض النتائج النهائية.

  • الانعكاسات المحتملة لتنفيذ الاتفاق على العملية السياسية في اليمن

واحدة من الغايات المعلنة لاتفاق الرياض، هي توحيد جهود “الشرعية” و”الانتقالي” للضغط على جماعة الحوثي، ودفعها إلى تقديم تنازلات من أجل تسوية سياسية شاملة. هذا النهج قد يثمر بالفعل نتائج جيدة لمصلحة العملية السياسية، في حال أخفق الحوثيون في إسقاط مدينة مأرب والاستيلاء على منابع النفط والغاز في صافر. إن المضي قدمًا وبدون انتكاسات جوهرية في مسار التنفيذ الكامل لاتفاق الرياض، يعد الوسيلة المثلى لدفع جماعة الحوثي إلى تعديل مواقفها وسلوكها تجاه جهود ومبادرات السلام المطروحة، وبالتالي تقصير أمد الحرب والشروع في مشاورات سلام حقيقية. وعلى مستوى أقل عمومية، يمكن تصور انعكاسات تنفيذ الاتفاق على العملية السياسية في اليمن، على النحو التالي:

  • تضييق الخناق السياسي على جماعة الحوثي، ذلك أن نجاح طرفي اتفاق الرياض في تشكيل وفد تفاوضي مشترك لتمثيلهما في المشاورات السياسية النهائية، سيضاعف جهود الوساطة الأممية والمساعي الرامية للتعجيل ببدء مشاورات شاملة للحل السياسي، وقد يزيد من تركيز الضغوط الدولية على جماعة الحوثي لإجبارها على التخلي عن شروطها المسبقة لبدء المشاورات[59]. من جهة ثانية، يمكن لوجود حكومة مستقرة تمارس نشاطها بصورة اعتيادية من العاصمة المؤقتة عدن، أن يبدد رهانات جماعة الحوثي على كسر جدار العزلة السياسية الدولية والإقليمية المضروب عليها، وينهي طموحاتها بالانخراط في علاقات طبيعية مع بعض الدول داخل الإقليم وخارجه، لإضفاء صفة قانونية على وجودها السياسي في العاصمة صنعاء وبعض محافظات البلاد.
  • تقريب المجتمع الدولي من تحقيق هدف عقد مشاورات يمنية – يمنية متعددة الأطراف برعاية الأمم المتحدة. فمشاركة “الانتقالي” بمعية “الشرعية” -وفق بنود اتفاق الرياض- في مشاورات قادمة مع جماعة الحوثي، ستمثل حافزًا جيدًا لإشراك مجموعات يمنية أخرى ذات ثقل، كمؤتمر حضرموت الجامع، والمجلس السياسي للمقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح. وبصرف النظر عن الطريقة التي قد تحدث بها هذه المشاركة، فإن المرجح أن تتخذ المشاورات في هذه الحالة طابعًا تعدديًا يستوعب القوى وأصحاب المصلحة الأساسيين في النزاع، ويعزز فرص التوصل لحلول تفاوضية وتفاهمات بشأن قضايا جوهرية يتوقف عليها تحقيق السلام في اليمن.
  • ارتخاء قبضة الرئيس هادي على ملف المشاورات السياسية مع الحوثيين، وبالتالي إضعاف الموقف المتشبث حرفيًا بمرجعية قرار مجلس الأمن 2216، وجعله أخف وطأة على المشاورات، بما يعزز عوامل نجاحها.
  • فرص أفضل لإعادة التفاوض حول ملف الترتيبات الاقتصادية المشتركة بين “الشرعية” وجماعة الحوثي، إن تفعيل دور البنك المركزي في عدن واستقرار وضع العملة الوطنية، وانتظام دفع مرتبات الموظفين المدنيين والعسكريين في مناطق سيطرة الحكومة، ووجود مؤشرات أداء خدمي وصحي مناسبة، سيضع جماعة الحوثي في مأزق حقيقي، فإما مجاراة ذلك بخطوات أقلها دفع مرتبات الموظفين في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، وتنشيط قطاعات الخدمة الأساسية (مياه، كهرباء، صرف صحي…)، وإما مواجهة سخط شعبي متنامٍ، وهذا وضع قد يساعد على إعادة طرح القضايا الاقتصادية والمالية المتصلة بإنهاء الانقسام المصرفي على طاولة البحث مجددًا.

التوصيات للمجتمع الدولي والأمم المتحدة

أولًا: توصيات خاصة بمسار استكمال تنفيذ اتفاق الرياض

  1. إنشاء آلية دولية خاصة بمسار تنفيذ اتفاق الرياض، تتولى متابعة عملية التنفيذ، وتقوم بدور مساند للوساطة السعودية بين طرفي الاتفاق.
  2. دعم استمرار العملية التفاوضية بين الطرفين بخصوص استكمال تنفيذ الاتفاق، وضمان عدم توقفها قبل تحقيق تقدم ملموس.
  3. تشجيع طرفي الاتفاق على التهيئة للعودة الكاملة للحكومة إلى عدن، وممارسة مهامها كفريق واحد دون عوائق أمنية وسياسية.
  4. تذليل بعض الصعوبات التي تواجه استكمال تنفيذ الاتفاق من خلال فتح قنوات حوار غير رسمية بين المجلس الانتقالي الجنوبي وحزب التجمع اليمني للإصلاح الذي يعد المكون الأساسي في “الشرعية”، ولديه نفوذ عسكري واسع في بعض المحافظات الجنوبية.
  5. يمكن لدول كالولايات المتحدة وبريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي، البدء بإجراء اتصالات هادئة مع طرفي اتفاق الرياض، حول الطريقة المناسبة لتمثيل “الانتقالي” في الوفد الحكومي الذي سيشارك في المشاورات مع الحوثيين طبقًا لاتفاق الرياض؛ وذلك بمجرد أن تؤتي السياسات الحكومية ثمرات إيجابية على الصعيد الاقتصادي والمعيشي للمواطنين.
  6. تضمين المباحثات حول تشكيل الوفد التفاوضي المشترك لـ”الشرعية” و”الانتقالي” “إطار مبادئ” بشأن مستقبل القضية الجنوبية، يشمل التفاهم حول إعطاء الجنوبيين حق تقرير المصير عبر استفتاء شعبي عام يعقب انتهاء الحرب، وفترة انتقالية مزمنة.
  7. كبح المطالب الخاصة بانسحاب القوات الحكومية من المحافظات الجنوبية لتجنب إقدام المجلس الانتقالي على خطوات أحادية بهدف فرض استقلال الجنوب كأمر واقع من خارج المشاورات الشاملة.
  8. على الأمم المتحدة إيلاء مسألة تنفيذ اتفاق الرياض المزيد من الاهتمام، من خلال المساعدة في تقريب وجهات النظر بين طرفي الاتفاق، مع مواصلة جهدها الرئيس لعقد مشاورات شاملة بين الأطراف اليمنية للخروج بتسوية نهائية للنزاع.
  9. توضيح المزايا الإيجابية المستقبلية التي يمكن للحوثيين الحصول عليها من وراء تنفيذ اتفاق الرياض، وذلك من زاوية كونه يفضي في نهاية المطاف إلى مشاورات سياسية شاملة تستوعب مصالح جميع أطراف النزاع.

ثانيًا: توصيات خاصة بالجانب الاقتصادي

  1. الترتيب لعقد مؤتمر إقليمي ودولي للمانحين بمشاركة السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، بهدف تمويل برامج تنموية مستدامة في اليمن.
  2. تمكين الحكومة من استخدام حقوق السحب المقدمة من صندوق النقد الدولي وفق إجراءات تكفل الشفافية والمراقبة.
  3. تشجيع المملكة العربية السعودية على تقديم وديعة مالية عاجلة للبنك المركزي اليمني، لتوفير اعتمادات استيراد السلع الغذائية الأساسية من الخارج.
  4. حث إدارة البنك المركزي الجديدة على تحييد عمليات وأنشطة البنك، وانتهاج سياسة نقدية غير تضخمية.
  5. تشجيع الرئيس هادي على التسريع في اتخاذ القرارات المتعلقة بإصلاح منظومة المؤسسات المالية والرقابية، بمراعاة قاعدة التشاور عند اتخاذ القرارات.
  6. العمل على تمكين الحكومة من رفع إنتاجية النفط والغاز واستئناف تصديره بكميات متفق عليها، والتوريد إلى البنك المركزي بعدن.
  7. المساعدة في إزالة عوائق إعادة تشغيل منشأة بلحاف لتصدير الغاز المسال.
  8. تعزيز قدرات الحكومة في السيطرة على العائدات المالية وتنمية الإيرادات المحلية.
الهوامش:

[1]– لم يتجاوز سعر الدولار الأمريكي الواحد 220 ريالًا قبل الحرب في مارس 2015.

[2]– اليمن الآفاق الاقتصادية، أبريل 2020 (ملخص)، البنك الدولي، 16 أبريل 2010، على الرابط:

https://www.albankaldawli.org/ar/country/yemen/publication/economic-update-april-2020

[3]– توظيف الدعم المقدم من صندوق النقد الدولي للتخفيف من انهيار العملة، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 26 أكتوبر 2021، على الرابط: https://sanaacenter.org/ar/publications-all/analysis-ar/15575

[4]– النشرة الاقتصادية اليمنية: الحرب من أجل السيطرة النقدية تدخل مرحلة جديدة خطيرة، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 21 يناير 2020، على الرابط: https://sanaacenter.org/ar/publications-all/analysis-ar/9500

[5]– توظيف الدعم المقدم من صندوق النقد الدولي للتخفيف من انهيار العملة، مرجع سابق.

[6]– غريفيث: الحوثيون سحبوا عائدات ميناء الحديدة والإعلان المشترك لا يمثل نهاية النزاع، موقع اليمن نت، 16/7/2020، على الرابط: https://cutt.us/xMojU

[7]– الأمين العام يدعو إلى وقف إطلاق النار في اليمن فيما تستعد البلاد لاحتمال تفشي كوفيد-19، الأمم المتحدة -أخبار الأمم المتحدة، 25 مارس 2020، على الرابط: https://news.un.org/ar/story/2020/03/1052072

[8]– بلغ ما تم جمعه فعليًا في مؤتمر المانحين، مطلع مارس 2021، 1.7 مليار دولار، وقد ذكر مارك لوكوك، الوكيل السابق للأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، أن هذا المبلغ أقل من نصف ما تحتاجه خطة الاستجابة في اليمن، وأقل بنحو مليار دولار مما جمع في العام 2019. انظر: الأمم المتحدة عواقب الخلافات بين أطراف الصراع اليمني لا يتكبدها من يتخذون القرار بل اليمنيون العاديون، الأمم المتحدة -أخبار الأمم المتحدة، 16 مارس 2021، على الرابط:

https://news.un.org/ar/story/2021/03/1072622

[9]– إلى أين تتجه حضرموت في ظل الاحتجاجات المتصاعدة؟، موقع الخبر بوست، 15 سبتمبر 2021، على الرابط:

https://alkhabarpost.com/press/26827

[10]– رسميًا تعليق الدراسة في عدن بسبب انقطاع الكهرباء وارتفاع درجة الحرارة، اليقين أون لاين، 9 سبتمبر 2021، على الرابط: https://cutt.us/EJE1H

[11]– نقاط التقطعات والجبايات على طريق عدن -تعز تربح جديد على أوجاع الناس (تقرير)، الموقع بوست، 16 سبتمبر 2021، على الرابط: https://almawqeapost.net/news/63466

-[12] استجابة لدعوة الانتقالي.. عشرات الآلاف يحتشدون في المكلا تنديدًا بسياسة الإفقار والتجويع ورفضًا لمحاولات شرعنة مجلس النواب اليمني على أراضي الجنوب، الموقع الرسمي للمجلس الانتقالي الجنوبي، 31 يوليو 2021، على الرابط: https://stcaden.com/news/15350

[13]– تصاعد الاحتجاجات في المكلا وأنباء عن إحراق المتظاهرين لمقر حزب الإصلاح، المساء برس، 13 سبتمبر 2021، على الرابط: https://cutt.us/5Rkip

[14]– الجنوبيون يحتجون على الانهيار الاقتصادي وسط تقدم الحوثيين- تقرير اليمن، سبتمبر/ أيلول 2021، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 20 أكتوبر 2021، على الرابط: https://cutt.us/BcUY2

[15]– تجدد الاحتجاجات في تعز ضد حكومة هادي والتحالف تنديدًا بالأوضاع الاقتصادية، الميادين نت، 27 سبتمبر 2021، على الرابط: https://cutt.us/KJtIY

[16]– كتلة حضرموت البرلمانية تستنكر الاعتداء على المتظاهرين وتطالب بالتحقيق ومحاسبة المتورطين، المسند نت، 20 سبتمبر 2021، على الرابط: https://almosnad.net/?p=84817

[17]– الإصلاح بتعز يبدي موقفه من المظاهرات المطالبة بإصلاح الأوضاع المعيشية، 28 سبتمبر 2021، على الرابط: https://adennews.net/143239

[18]– تجدد المظاهرات والاحتجاجات في عدن وحضرموت رغم القمع الأمني، بلقيس نت، 17 سبتمبر 2021، على الرابط: https://cutt.us/Q0Kkf

[19]– الزُّبيدي يوجّه خطابًا هامًا ويعلن حالة الطوارئ والتعبئة العامة في عموم محافظات الجنوب، المجلس الانتقالي الجنوبي الموقع الرسمي، 15 سبتمبر 2021، على الرابط: https://stcaden.com/news/15641

[20]– وزير الخارجية يدعو مجلس التعاون الخليجي لعقد مؤتمر طارئ لتقديم الدعم الاقتصادي لليمن، الشارع نيوز، 16 سبتمبر 2021، على الرابط: https://alsharaeanews.com/2021/09/16/71729

[21]– كان رئيس الوزراء معين عبدالملك أجرى اتصالات، مطلع سبتمبر 2021، لمناقشة تفعيل استخدام حقوق السحب التي خصصها صندوق النقد الدولي لليمن في أغسطس/آب، بقيمة 665 مليون دولار أمريكي، لكن دون أن تثمر المحاولة عن نتائج ملموسة.

[22]– كانت الحكومة غادرت عدن، في مارس 2021، بعد تفجر موجة احتجاجات شعبية مطالبة بإيقاف الانهيار الاقتصادي والخدمي.

[23]– بالإضافة للاحتجاجات، كانت الحكومة بحاجة، أيضًا، إلى إثبات أنها قادرة على العودة واستئناف العمل من الداخل لأسباب مرتبطة بالتطورات العسكرية الداخلية والخسائر التي منيت بها القوات الحكومية في المواجهات مع الحوثيين.

[24]– بيان رباعي يدعو لعودة الحكومة اليمنية إلى عدن.. وسرعة تنفيذ اتفاق الرياض، cnn arabic، 16 سبتمبر 2021، على الرابط: https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2021/09/16/government-yemeni-crisis-aden-riyadh-agreement

-[25] الجنوبيون يحتجون على الانهيار الاقتصادي وسط تقدم الحوثيين- تقرير اليمن، سبتمبر/ أيلول 2021، مرجع سابق.

-[26] هيئة رئاسة المجلس الانتقالي: كل محاولات إخضاع شعب الجنوب ستفشل كما فشلت سابقاتها، الموقع الرسمي للمجلس الانتقالي الجنوبي، 27 سبتمبر 2021، على الرابط: https://stcaden.com/news/15740

-[27] المصدر نفسه.

[28]– انتقادات لعودة رئيس حكومة اليمن المفاجئة إلى عدن بلا ضمانات، السجل نيوز، 30 سبتمبر 2021، على الرابط:

https://alsjl-news.com/n/4714448

[29]– بالإمكان هنا النظر إلى ما عرف بـ”بيان بن دغر -جباري” كعلامة على ذلك. لقد أدان البيان الصادر عن رئيس مجلس الشورى ونائب رئيس البرلمان “تنازل الشرعية عن دورها الريادي في المعركة تدريجيًا”. واللافت أن البيان تجاهل تمامًا مسألة المطالبة بتنفيذ اتفاق الرياض، بل تحدث عما وصفه بـ”سياسات تفكيكية تعمل على تقسيم وتمزيق الوطن والمجتمع”، في إشارة تنم عن موقف سلبي من الاتفاق. انظر: في بيان غير مسبوق… مسؤولان يمنيان يطالبان بإنهاء الحرب، arabic.rt، 30 نوفمبر 2021، على الرابط: https://cutt.us/qmHzK

[30]– بريطانيا: الفجوة بين القرار 2216 والوضع الراهن على الأرض في اليمن تتطلب قرارًا أمميًا جديدًا، الشارع نيوز، 22 أكتوبر 2021، على الرابط: https://alsharaeanews.com/2021/10/22/75706

[31]– نص على إخراج النوبي.. اتفاق لوقف المواجهات بين قوات الانتقالي في عدن، يمن نت، 4 أكتوبر 2021، على الرابط: https://cutt.us/gqpTw

[32]– قائد التمرد في عدن يعلن تشكيل “المقاومة الشعبية” ويتحدث عن الوضع في كريتر، البوابة الإخبارية اليمنية، 2 أكتوبر 2021، على الرابط: https://cutt.us/zTrou

[33]– انظر: قيادي بارز في الانتقالي يعلن استقالته من المجلس ويؤكد تخليه عن المطالبة باستقلال الجنوب، النبأ اليمني، 17 سبتمبر 2021، على الرابط: https://cutt.us/VuAfO

[34]– بحسب بعض المصادر، تعود أصول والد إمام النوبي إلى تعز، وقد شدد “الانتقالي” من خلال وسائله الإعلامية وبياناته الرسمية خلال المواجهات وبعدها، على ذكر الاسم الكامل لإمام النوبي، وهو إمام محمد أحمد عبده الصلوي، للإيحاء بأنه ينتمي الى الشمال، وإضعاف الدلالات الجهوية لحركته الانشقاقية. انظر: الهيئة الإدارية للجمعية الوطنية تصدر بيانًا هامًا بخصوص الأحداث الدامية التي شهدتها مدينة كريتر مؤخرًا، المجلس الانتقالي الجنوبي الموقع الرسمي، 4 أكتوبر 2021، على الرابط: https://stcaden.com/news/15802

[35]– كبادرة حسن نية للمصالحة مع الشرعية.. الانتقالي يقدم قافلة دعم وإسناد لمقاومة لودر، الساعة نيوز، 22 سبتمبر 2021، على الرابط: https://cutt.us/7y6BL

[36]– مطلع أكتوبر 2021 أصدر الزبيدي قرارًا بإقالة مختار النوبي من موقعه كنائب لقائد قوات الحزام الأمني.

[37]– الانتقالي يرحب بعودة رئيس حكومة المناصفة إلى عدن، بوابتي نت، 28 سبتمبر 2021، على الرابط: https://bawabatii.net/news296663.html

[38]– هيئة رئاسة الانتقالي الجنوبي تدعو التحالف العربي واللجنة الرباعية للتدخل العاجل لوقف انهيار العملة، الموقع الرسمي للمجلس الانتقالي الجنوبي، 18 أكتوبر 2021، على الرابط: https://stcaden.com/news/15909

[39]– الزبيدي لعكاظ: اسألوا السعودية من يعرقل اتفاق الرياض؟، موقع صحيفة الأيام، 24 أكتوبر 2021، على الرابط:

https://www.alayyam.info/news/8S8UH7WJ-NKV74X-0E38

[40]– بيان هام صادر عن الاجتماع الاستثنائي لهيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي، الموقع الرسمي للمجلس الانتقالي الجنوبي، 9 نوفمبر 2021، على الرابط: https://stcaden.com/news/16073

[41]– المصدر نفسه.

[42]– الزبيدي في حوار مع صحيفة “لو فيغارو” الفرنسية: استقلال الجنوب هدفنا الاستراتيجي ولن نتراجع عنه، الموقع الرسمي للمجلس الانتقالي الجنوبي، 1 أغسطس 2021، على الرابط: https://stcaden.com/news/15355

[43]– الحكومة: موقف الانتقالي بلا مبرر بوقت نستعيد فيه حضورنا، موقع صحيفة الأيام، 11 نوفمبر 2021، على الرابط:

https://www.alayyam.info/news/8SX8KUDA-SS14L2-50AF

[44] الزبيدي إلى الرياض للتشاور، موقع صحيفة الأيام، 14 نوفمبر 2021، على الرابط:

https://www.alayyam.info/news/8SX8KUDA-SS14L2-50AF

[45]– النص الكامل لاتفاق الرياض، وكالة الأناضول، 5 نوفمبر 2019، على الرابط:

https://www.peaceagreements.org/viewdocument/3281

[46]– طبقت هذه الآلية في منتصف ديسمبر 2020 عبر الفصل بين قوات الطرفين وتراجعها لبضعة كيلومترات خلف خطوط التماس في جبهات الشيخ سالم والطرية وقرن الكلاسي بأبين، تحت إشراف لجنة سعودية، ومشاركة عسكريين من الطرفين. وبموجبها انسحبت قوات اللواء 21 ميكا واللواء 30 ميكا التابعين للحكومة من مناطق تمركزهما في منطقة قرن الكلاسي القريبة من مدينة شقرة الساحلية (مركز عمليات القوات الحكومية في أبين). كما انسحبت وحدات من اللواء 89 مشاة التابع للحكومة، من منطقة الشيخ سالم ومنطقة الطرية شرق زنجبار (عاصمة أبين)، وغادرت وحدات من لواء الدفاع الساحلي التابع للحكومة مواقعها قرب مدينة شقرة، إضافة لإخلاء اللواء الثالث حماية رئاسية مواقعه في منطقة الطرية. وفي المقابل، انسحبت كتائب من اللواء 8 صاعقة واللواء 11 وكتائب من اللواء 14 صاعقة التابعة للانتقالي، من مواقعهما في منطقة الشيخ سالم صوب محافظة الضالع (المعقل القبلي لقوات الانتقالي)، فيما انسحبت تشكيلات من اللواء 15 إلى منطقة كرش الفاصلة بين لحج وتعز. وفي عدن أُعلن عن سحب كتائب من اللواء الأول مهام خاصة من منطقة صلاح الدين باتجاه قاعدة العند بمحافظة لحج، وسحب قوات من اللواء الثالث صاعقة المتمركز في جبل حديد المطل على قصر معاشيق، إلى الضالع. وعلى الصعيد الأمني، قضت الترتيبات بموجب “الآلية” بمغادرة قوات الانتقالي مدينتي زنجبار وجعار (كبرى مدن محافظة أبين)، وتسليم مقرات الأمن والشرطة العسكرية والمؤسسات الحكومية لقوات الأمن الخاصة والأمن العام الموالية للشرعية. وفي عدن نصت خطة الانسحاب على تولي قوات الحزام الأمني وقوات الدعم والإسناد (التابعة للانتقالي)، إضافة لقوات الأمن العام التابعة للشرعية، مهام الأمن فيها، إضافة لتمكين لواء من الحماية الرئاسية من دخول المدينة لتأمين الحماية اللازمة للحكومة.

[47]– السفير السعودي في اليمن يعلن اكتمال الترتيبات العسكرية لتنفيذ اتفاق الرياض، سبوتنيك عربي، 17 ديسمبر 2020، على الرابط: https://cutt.us/jgWwV

[48]– في حينها اعتبر المجلس الانتقالي أن الشق العسكري/ الأمني من اتفاق الرياض قد تم تنفيذه، ولم يتبقَّ سوى “تنفيذ قوات الشرعية التزاماتها بالانسحاب من بقية محافظات الجنوب، وعودتها إلى موطنها الأصلي الذي جاءت منه قبل شهر آب/أغسطس من عام 2019، وتوجيهها لمواجهة مليشيا الحوثي وتحرير الشمال”، مؤكدًا أن أولويات المرحلة المقبلة تكمن في “التفرغ لاستكمال بقية بنود الاتفاق [اتفاق الرياض]، وفي مقدمتها تشكيل الوفد التفاوضي المشترك للمفاوضات السياسية الشاملة، وكذلك إعادة هيكلة وتشكيل أبرز المؤسسات الاقتصادية، بما فيها المجلس الأعلى للاقتصاد، والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، والجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة”. انظر: الخبجي: أفشلنا محاولات إعاقة اتفاق الرياض ومشاركتنا في الحكومة لا تعني تخلينا عن مشروع استعادة الدولة، موقع 4 مايو نت، 16 ديسمبر 2020، على الرابط:

https://www.4may.net/news/53243

[49]– وزير الداخلية: لسنا مسؤولين عن الأمن في عدن، موقع صحيفة الأيام، 19 نوفمبر 2021، على الرابط:

https://www.alayyam.info/news/8T9X11VJ-P4UPCG-14C2

[50]– بعد زيارة استغرقت عدة ساعات.. رئيس الوزراء يغادر محافظة شبوة، الشارع نيوز، 27 سبتمبر 2021، على الرابط:

[51]– الزُّبيدي يلتقي ليندركينج لبحث تطبيق اتفاق الرياض والاستفزازات الحوثية، المشهد العربي، 18 نوفمبر 2021، على الرابط: https://almashhadalaraby.com/news/321142

[52]– قال الزبيدي إن المجلس مستعد “لبحث دعم القوات الحكومية ضد الحوثيين في جبهات مأرب إذا تهيأت جميع الظروف”. انظر: الزبيدي لعكاظ: اسألوا السعودية من يعرقل اتفاق الرياض؟، مرجع سابق.

[53]– الانتقالي: وفدنا في الرياض قدم طرحًا شجاعًا لمحاسبة الفاسدين، موقع صحيفة الأيام، 30 نوفمبر 2021، على الرابط:

https://www.alayyam.info/news/8TO7GEOQ-W6F88P-D121

[54]– بيان هام صادر عن الاجتماع الاستثنائي لهيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي، مرجع سابق.

[55]– المصدر نفسه.

[56]– الخبجي يلتقي نائب السفير الأسترالي في الرياض، موقع صحيفة الأيام، 30 نوفمبر 2021، على الرابط:

https://www.alayyam.info/news/8TOSATD5-KB0J9H-473A

[57]– الزبيدي لعكاظ: اسألوا السعودية من يعرقل اتفاق الرياض؟، مرجع سابق.

[58]– انتقالي شبوة يصدر بيانًا هامًا بشأن دعوة الشيخ عوض بن الوزير للقاء التاريخي في منطقة الوطأة، الموقع الرسمي للمجلس الانتقالي الجنوبي، 14 نوفمبر 2021، على الرابط: https://stcaden.com/news/16116

[59]– تتمثل الشروط المسبقة التي يضعها الحوثيون للقبول بالانخراط في مشاورات نهائية، في الرفع الكامل للقيود المفروضة على ميناء الحديدة ومطار صنعاء الدولي، وإيقاف الغارات الجوية للتحالف، دون ربط ذلك بوقف هجمات الحوثيين على مأرب، أو التوقف عن توسيع رقعة المعارك الداخلية.

أعدت هذه الورقة ضمن مشروع "اتفاق الرياض وعملية السلام في اليمن: مخاطر الفشل وفرص النجاح"، الذي يُنَفَّذه مركز العربية السعيدة للدراسات، بدعم من مؤسسة فريدريش ايبرت الألمانية، ويهدف إلى فهم الأسباب التي حالت دون تنفيذ هذا الاتفاق، وتقديم توصيات استرشادية واقعية للأطراف المعنية، للدفع نحو تنفيذه.

د.هاني المغلس

د.هاني المغلس.. أستاذ مساعد في قسم العلوم السياسية جامعة صنعاء، ورأس هذا القسم عام 2021 ، له العديد من الأبحاث السياسية نشُرتَ في عدد من المجات والوسائل الإعلامية. له كتاب تحت الطبع بعنوان “بناء الدولة بعد الثورات العربية المعاصرة: قضايا واشكالات نظرية”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

مقر المركز
تابعونا على وسائل التواصل الاجتماعي

الاشتراك في النشرة البريدية

    جميع الحقوق محفوظة ©  لدى مركز العربية السعيدة للدراسات 2021

    Open chat