تقاريرسياساتالحاجة إلى جهود دولية ضاغطة لتنفيذ اتفاق الرياض

30 يناير، 2022by محمد المحفلي0

ورقة سياسات موجهة إلى المبعوث الأممي إلى اليمن

 

 

محمد المحفلي

 

ملخص تنفيذي

ارتبط وجود مبعوث خاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، بالصراع السياسي الذي بدأ بعد أحداث 2011 التي أطاحت بالرئيس علي عبدالله صالح، في 2012، وما تلى ذلك من تداعيات وصولًا إلى الحرب الشاملة التي توسعت في مارس 2015. ومنذُ ذلك التاريخ حتى الآن، عرفت اليمن 4 مبعوثين أمميين شاركوا في مختلف تلك الأحداث وتصاعدها منذ الحرب التي بدأت بين طرفين رئيسيين؛ الحوثيين وحلفائهم من جهة، والحكومة وحلفائها من جهة أخرى. ولكن بعد إخراج الحوثيين من عدن، وتحرير مناطق واسعة في الجنوب، ظهر الخلاف جليًا بين المكونات الجنوبية في هذا التحالف والحكومة، انتهى ذلك بالصراع المسلح الذي تمكنت فيه قوات المجلس الانتقالي الجنوبي من إخراج الحكومة اليمنية من مدينة عدن، في أغسطس 2019؛ ما دفع المملكة العربية السعودية إلى إعادة ترتيب صف “التحالف” لمواجهة الحوثيين، فعملت على جمع (المتحالفين الأعداء) في الرياض، وتوقيع ما سُمّي اتفاق الرياض، الذي ينص على تقاسم الحكومة مع المجلس الانتقالي الجنوبي وإدخاله في مشاورات الحل النهائي الخاصة بالصراع في اليمن.

وفي إطار تلك الأزمة، ومن ثم الاتفاق وما تلاه من صعوبات رافقت تنفيذه في شقيه السياسي والعسكري، كان المبعوث الأممي السابق إلى اليمن، مارتن جريفيث، حاضراً في مختلف هذه التفاصيل، غير أنه ينطلق وفق رؤية تسعى إلى تحقيق ما يراه موصلًا إلى السلام الشامل، باعتبار الاتفاق جزءًا من سلسلة اتفاقات جزئية يمكنها أن توصل في النهاية إلى إيقاف الحرب وإحلال السلام بشكل عام في البلاد.

تضمنت خطابات المبعوث جريفيث، ومؤخرًا هانس غروندبرغ، في معظم إحاطاتهما، دعوات واضحة لطرفي الاتفاق من أجل تنفيذه، مع تبيين الفوائد التي يمكن أن يضيفها هذا التنفيذ إلى واقع اليمنيين، لاسيما في الجنوب، إضافة إلى المساعي التي بذلها في زياراته إلى الأطراف المحلية والإقليمية. بيد أن ذلك لم يكن كافياً، إذ كان ينبغي ممارسة الإمكانات المتوفرة للمبعوث من أجل الضغط باتجاه الالتزام التام بتنفيذ بنود الاتفاق، وليس مجرد اتخاذ ذلك تكتيكاً من أجل تحقيق مصالح جزئية خاصة من قبل الطرفين.

 

الخلفية التاريخية

بعد سنوات من الشراكة التي فرضها وجود عدو مشترك للطرفين الموقعين على الاتفاق، وصلت المواجهات إلى ذروتها بين قوات الحكومة بقيادة الرئيس عبد ربه منصور هادي، المدعوم من المملكة العربية السعودية، من جهة، وقوات المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من الإمارات العربية المتحدة، من جهة ثانية، إذ تم طرد الحكومة من مدينة عدن، وامتدت المواجهات إلى مناطق في أبين وشبوة. أدت هذه التحركات إلى تجسيد الخلاف الجوهري بين المكونات السياسية والعسكرية المتحالفة لقتال الحوثيين، الذين يسيطرون حاليًا على معظم شمال اليمن، وأجزاء محدودة من الجنوب، بعد أن تم دحرهم من عدن في 2015.

لقد أدت تلك المواجهات إلى تحرُّك السعودية، التي تقود التحالف العربي لإعادة الشرعية في اليمن، للملمة شتات هذه القوى الداخلية المنضوية في إطار هذا التحالف، ومحاولة أخذ زمام قيادة هذه القوى، لذا توصلت إلى اتفاق الرياض، الذي تم توقيعه في 5 نوفمبر 2019، بين الحكومة والمجلس الانتقالي، في الرياض. وينص الاتفاق، بشكل رئيسي، على تشكيل حكومة مناصفة بين الشمال والجنوب، ويشترك في تشكيلتها المجلس الانتقالي الجنوبي، والعمل على دمج القوات المتباينة في وزارتي الدفاع والداخلية، على أن تلحق ذلك إجراءات أمنية وعسكرية واقتصادية تضمن تدارك الانهيار الحاصل في الاقتصاد والخدمات، وتدفع باتجاه تحسينها في مختلف المجالات في المناطق التي تقع تحت سيطرة القوات الحكومية وحلفائها.

شكَّل هذا الاتفاق إضافة جديدة لسلسلة الاتفاقات اليمنية، منذ المبادرة الخليجية التي أثرت في معظم الأحداث في اليمن بعد 2011، وما تلاها من مؤتمر الحوار الوطني، إلى اتفاق السلم والشراكة الذي تم توقيعه، في 21 سبتمبر 2014، إلى قرار مجلس الأمن 2216. من ناحية أخرى، فاتفاق الرياض يُعَدّ، من منظور المجلس الانتقالي الجنوبي، ضمن سلسلة الاتفاقات التي نظمت العلاقات بين طرفي الوحدة اليمنية، إذ أكد الاتفاق على التقاسم الشمالي- الجنوبي للسلطة، في الطريق إلى تحقيق هدف المجلس الساعي إلى الانفصال. أما من منظور الأمم المتحدة فهذا الاتفاق جزء من سلسلة الخطوات التي تتجه إلى السلام في إطار مساعي الأطراف الدولية لإيقاف الحرب في اليمن، إضافة إلى اتفاق ستوكهولم الموقع بين الحكومة والحوثيين في 13 ديسمبر 2018.

رغم الترحيب الكبير الذي أبداه المبعوث الأممي السابق إلى اليمن (مارتن جريفيث)، باتفاق الرياض، وما تبع ذلك من تحركات على مختلف المستويات المحلية والإقليمية والدولية، لدعم تنفيذه، فإن تلك التحركات كانت محكومة برؤية عامة ترى أن هذا الاتفاق جزءٌ من جهود عملية تسعى للوصول إلى حل نهائي يحقق وقف الحرب وإحلال السلام في البلاد، بغض النظر عن بقية التفاصيل التي تعدّ بالغة الأهمية ليس لتحقيق السلام الشامل فقط، ولكن حتى لتنفيذ هذا الاتفاق، ومن ثم فإن فهم هذه التفاصيل يُعَدّ أمرًا بالغ الأهمية سواء لعمل للمبعوث الأممي، أو لمختلف الأطراف التي تقاسمه الهدف الساعي إلى تحقيق السلام في اليمن.

في هذه الورقة سوف يتم النظر في طبيعة العلاقة التي تربط المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، من جهة، ومختلف الأطراف المسؤولة عن تنفيذ اتفاق الرياض (الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي)، من جهة أخرى. كما سيتم تحليل الأدوار التي يقوم بها المبعوث الأممي في إطار المرتكزات الأساسية التي تحكم عمله في اليمن، وما يمكن أن يقوم به من إسهام من أجل تنفيذ هذا الاتفاق، مع استكشاف السبل التي يمكنه تعزيزها في هذا الشأن.

 

مهمة المبعوث وعلاقتها بأطراف الاتفاق

تتركز المهمة الرئيسية للمبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، في القيام بالمساعي الحميدة من أجل إيقاف الحرب واستئناف عملية الانتقال السياسي السلمية التي تشمل الجميع، بمن في ذلك النساء، من أجل التغيير السلمي والإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وبالارتكاز على نصوص مبادرة مجلس التعاون الخليجي لعام 2011 وآلية تنفيذها، ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني لعامي 2013-2014، وقرار مجلس الأمن 2216، ومن أجل تنفيذ ذلك ينبغي على المبعوث العمل مع أعضاء مجلس التعاون الخليجي، ومجلس الأمن، والشركاء الدوليين الآخرين، لضمان دعم دولي قوي ومتسق للسلام والاستقرار في اليمن. وهو بذلك يسعى للعمل على جهود الوساطة بين مختلف الأطراف من خلال المفاوضات والمشاورات والدبلوماسية للتوصل إلى اتفاق بشأن الترتيبات الأمنية والسياسية المؤقتة لفترة انتقالية لإنهاء النزاع، ولتمكين استئناف الانتقال السياسي السلمي والشامل لعملية انتقالية في مرحلة ما بعد الحرب([1]). ومن ثم فإن تحركات المبعوث الأممي في ما يتعلق باتفاق الرياض، تأتي محكومة بهذه المبادئ التوجيهية الحاكمة لعمله الساعي باتجاه البحث عن الظروف الملائمة من أجل الوصول إلى مباحثات الحل النهائي الذي يمكن أن يوقف الحرب، ويؤدي إلى إحلال السلام في اليمن، ولكن وفقًا لأسس المبادرة الخليجية ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني. تبدو هذه المبادئ متسقة نسبيًا مع خطاب الطرف الحكومي، وما يتصل به من حلفاء في اتفاق الرياض، الذين ينادون بمرجعية المبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني. ولكنها تتعارض بشكل مبدئي مع أهداف المجلس الانتقالي الجنوبي الساعي إلى ما يسميه الاستقلال عن الجمهورية اليمنية. ويعكس ذلك تناقضًا جوهريًا يعمل، مع أسباب أخرى، في إعاقة تنفيذ اتفاق الرياض.

المجلس الانتقالي يبدي رغبته في التعاون مع المبعوث الأممي من أجل العمل على تنفيذ بنود اتفاق الرياض؛ ففي اللقاء الأخير الذي جمع عيدروس الزُّبيدِي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، ومبعوث الأمين العام للأمم المتحدة الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، في11 نوفمبر 2021، أكد الزُّبيدِي على “ضرورة الإسراع بتنفيذ الشق الاقتصادي” من اتفاق الرياض “لمعالجة الأزمة الاقتصادية ووقف انهيار سعر صرف العملة المحلية”، كما جدد تأكيده على دعم جهود المبعوث الأممي تجاه عملية تفاوضية شاملة تعكس “واقع الأطراف على الأرض”، و”القضايا الوطنية والمسببات الحقيقية للصراع، وفي طليعة ذلك قضية شعب الجنوب التي يحملها المجلس الانتقالي الجنوبي”([2]). وفي الحقيقة، فهذا الخطاب يعكس الأزمة التي تعيشها الأطراف الموقعة على الاتفاق، ففي حين يتم التوقيع على وثيقة تستند إلى مبادئ مخالفة للمبادئ الأساسية لوجود المجلس ذاته، يتم أيضًا مواصلة طلب الدعم من المبعوث الأممي، الذي يستند هو الآخر في عمله على المبادئ الحاكمة ذاتها. فكما يتبين من الصياغة أعلاه أن “الانتقالي” يرغب في تحقيق مصالح آنية، في حين يسعى إلى تحقيق الهدف النهائي المتمثل في “استعادة الدولة الجنوبية” إلى ما كانت عليه قبل العام 1990. ويمكن أن نرى إيضاح هذا الجانب أيضًا في تصريح منصور صالح، القيادي في المجلس الانتقالي الجنوبي، والذي يقول إن تصريحات المبعوث الأممي، هانس غروندبرغ، “مُرَحَّب بها، ولكنها ليست كافية لإيجاد حل شامل ومستدام في اليمن، طالما ظلت جهودهما تراوح بعيدًا عن جوهر ولُبّ المشكلة الحقيقية كأزمة سلطة بين القوى اليمنية”. وقال إن الحل للأزمة القائمة في الجنوب واليمن، يكمن أساسًا في “أهمية استيعاب العالم لضرورة استعادة شعب الجنوب لدولته التي كانت قائمة قبل الوحدة مع اليمن”([3]).

المجلس الانتقالي استفاد إذن من اتفاق الرياض، في الحصول على اعتراف دولي به دون أن يخسر شيئًا من مصالحه على الأرض، وكذلك دون أن يقدم أي تنازلات، أو حتى يؤجل الهدف الذي يسعى لتحقيقه (الانفصال)! اتفاق الرياض مَكَّن المجلس الانتقالي من اكتساب اعتراف سياسي دولي دون أن يلزمه الوفاء بالتزاماته العسكرية والأمنية، أو التخلي عن أهدافه المعلنة، بما في ذلك الانفصال([4]). لكن الخوض في هذه التناقضات لن يؤدي إلى حل شامل، إذ تعيد إلى الأذهان تاريخ اليمن الحديث الذي يتم فيه الصراع بشكل صارخ بين ثلاثة أطراف: المبادئ الأساسية الحاكمة لكل اتفاقيات، والممارسات، وكذلك الأجندات الخاصة لكل طرف. وإذا كان موقف الانتقالي، حسب تصريح منصور صالح، واضحًا بأنه يريد من المبعوث أن ينخرط في ما يخالف مبادئ الدور الذي يستند عليه، فإن موقف المبعوث لم يتم توضيحه بعد حيال ذلك.

 

أدوار وجهود المبعوث الأممي في سبيل تنفيذ الاتفاق

إضافة إلى الرحلات المكوكية ومواصلة المشاورات بين الأطراف، تعد إحاطة المبعوث الأممي إلى مجلس الأمن واحدة من أهم الأدوات التي يتم من خلالها أداء دور المبعوث، إذ يتم إبلاغ الفاعلين الدوليين بما يحصل على الأرض في اليمن من أجل تزويدهم برؤية واضحة عن ذلك، بما يساعدهم في العمل على اتخاذ المواقف المطلوبة وإصدار القرارات المناسبة.

على مدى أكثر من عامين كان هناك حضور بارز لاتفاق الرياض في معظم إحاطات المبعوث الأممي لمجلس الأمن، إذ كرَّر دعوته للحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي لتكثيف الجهود من أجل استئناف تنفيذ اتفاق الرياض، وجدد التأكيد على المزايا التي يجلبها هذا الاتفاق، الذي سيضمن ضم المجلس الانتقالي الجنوبي في وفد تفاوض الحكومة اليمنية عند استئناف العملية السياسية بقيادة الأمم المتحدة، لجعل هذه العملية السياسية أكثر شمولية([5]). وقال إنه لن يستمر السلام في اليمن على المدى البعيد إذا لم تلعب الأصوات الجنوبية دورًا في تشكيل هذا السلام على نحو مسؤول([6]). مع التأكيد على الحوار بوصفه السبيل الوحيد لحل الخلافات بين الطرفين([7]). كما يؤكد المبعوث، أيضًا، أن هذا الاتفاق سيعمل على تحقيق قدر أكبر من الاستقرار في المحافظات الجنوبية، وتحسين كفاءة عمل مؤسسات الدولة، والتمهيد لتعاون سياسي حقيقي بين طرفي الاتفاق([8]). ويبدو من خلال هذه الإحاطات التأكيد المستمر على “الدور الإيجابي الذي قامت به المملكة العربية السعودية في هذا الخصوص، بوصفه مثالًا للدور الذي يمكن أن يلعبه الدعم الإقليمي في كل الجهود للوصول إلى السلام”([9]).

هذه الإحاطات الأممية البسيطة تعكس الرؤية الدولية تجاه الصراع في اليمن من جهة، وتعمل، من جهة ثانية، على التأثير في صناع القرار السياسي داخل أروقة مجلس الأمن. العبارات الإيجابية الواردة في الإحاطات الأممية تُعَدّ مؤشرًا جيدًا لدور المبعوث في اليمن تجاه هذه القضية، لكن فحص معظم تلك الإحاطات يبيِّن أنها تراوح مكانها، ويبدو أنها تحتاج إلى الغوص عميقًا في تفاصيل المشكلة، والعمل على صياغة توصيات عملية لأعضاء مجلس الأمن يمكنها أن تعالج المشكلة بشكل حقيقي.

الأمر الآخر الذي يقوم به المبعوث الأممي، هو التحركات الدولية، لاسيما في الإقليم، للعمل على تشجيع الأطراف المحلية من أجل إيقاف الحرب في اليمن، وتنفيذ بنود اتفاق الرياض. ورغم تبعية الأطراف اليمنية المتصارعة للمؤثرين الإقليميين، فإن هذه الجولات الدولية والأممية بشكل خاص تتركز على المملكة العربية السعودية، بوصفها راعي الاتفاق، من جهة، والمؤثر الرئيسي على عبد ربه منصور هادي والأطراف المتحالفة معه، من ناحية ثانية، وكان ينبغي أيضًا إعطاء الأهمية نفسها للإمارات بوصفها ذات تأثير مباشر على المجلس الانتقالي الجنوبي، ويمكنها أن تسهم في تنفيذ هذا الاتفاق بشكل إيجابي في حال قررت ذلك.

إن كل هذه الجهود التي يقوم بها المبعوث الأممي على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، تحظى بدعم ومتابعة واهتمام دولي، من خلال دعم تحركاته والتأكيد المستمر على ضرورة الالتزام بإيقاف الحرب وعملية السلام في اليمن وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، بما في ذلك قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، ونتائج مؤتمر الحوار الوطني، مع التأكيد على تسريع تنفيذ اتفاق الرياض، ودعوة الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي إلى التنفيذ الكامل له؛ إذ إن العمل على تنفيذ هذا الاتفاق يمكنه أن يعزز جهود الأمم المتحدة لتحقيق حل شامل لإحلال السلام في البلاد([10]). وبتعبير سفير السويد في الأمم المتحدة، فإن دعم المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن “أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى، إذ ينبغي دعم هذه الجهود والضغط كمجتمع دولي على مختلف أطراف النزاع، لأن المسؤولية تقع عليهم، ولكن هذا يحتاج إلى تفويض أوسع للأمم المتحدة في المستقبل”(.([11] وكل هذا الدعم الدولي يمكنه أن يكون حافزًا قويًا ومؤثرًا إما على الضغط على هذه الأطراف في سبيل مواصلة الالتزام بتنفيذ الاتفاق، أو على الفاعلين الإقليميين الذين يملكون تأثيرًا محليًا وإقليميًا للوصول إلى سلام قد يؤدي إلى تعزيز فرص توحيد الجهود الداخلية باتجاه السلام الشامل.

 

تعزيز دور المبعوث الأممي

تبدو وجهة نظر الأمم المتحدة، ومبعوث أمينها العام الخاص إلى اليمن، واضحة تجاه اتفاق الرياض، إذ يتم التعامل مع هذا الاتفاق بوصفه حزمة واحدة تمهد الطريق لقبول مبادرة الأمم المتحدة للحل الشامل في اليمن، التي تعترض عليها أطراف الصراع في البلاد، إضافة إلى مطالب المجلس الانتقالي الجنوبي بضمه في أي مشاورات للحل النهائي كممثل للقضية الجنوبية، وهو جانب مرفوض من قبل المكونات الجنوبية الأخرى([12]). وقد مكّن الاتفاق المجلس الانتقالي من الحصول على هذا المطلب، في حين سوف يتم إقصاء أطراف أخرى سواء على مستوى الجنوب أو اليمن بشكل عام. ومع ذلك فإن من الضرورة العمل على تعزيز دور المبعوث الأممي من أجل تنفيذ هذا الاتفاق، لاسيما في ما يتعلق بالجوانب الاقتصادية والخدمية التي ترتبط بشكل مباشر بحياة الناس واحتياجاتهم، أما بالنسبة للجوانب الأخرى، السياسية والعسكرية، فإنها ذات أبعاد أخرى أكثر تعقيدًا يصعب معها الوصول إلى نتائج ذات قيمة مؤثرة نظرًا لوجود خلل أساسي سببه ذلك الصراع المركزي بين مبادئ الأطراف المتصارعة الأساسية ومبادئ الاتفاق ذاته.

 

الخاتمة

توصلت هذه الورقة إلى أن القواعد الأساسية الحاكمة لعمل المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، ترتكز على المبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني، وهي المرتكزات ذاتها التي انبنت عليها صياغة اتفاق الرياض بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي. بيد أن المبعوث يسعى إلى تحقيق تسوية سياسية تؤدي إلى إيقاف الحرب وإحلال السلام في البلاد بغض النظر عن الالتزام الدقيق بنص المبادرة الخليجية ومخرجات مؤتمر الحوار. ويتشارك المجلس الانتقالي الجنوبي مع المبعوث الأممي هذه الاستراتيجية، من حيث إنه يريد تحقيق أهداف جزئية، مع احتفاظه بالمبادئ الأساسية التي تتسق مع خطابه الساعي إلى الانفصال في النهاية.

كما توصلت الورقة إلى أن المبعوث الأممي يقوم بأنشطة مختلفة تسعى إلى تنفيذ المهام الموكلة إليه، ومن ذلك تقديم الإحاطات الدورية إلى مجلس الأمن، وكذلك الجولات المكوكية للفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين، ولكن تبين أن حضور الاتفاقية في مجمل الإحاطات غير فاعل، كما أن هناك قصورًا في الاهتمام ببعض الفاعليين الإقليميين المؤثرين في تنفيذ هذه الاتفاقية.

وتؤكد الورقة على أهمية دور المبعوث في تنفيذ الاتفاق الرياض، وبشكل خاص الشق الاقتصادي والخدمي منه، بوصف ذلك مطلبًا وقاسمًا مشتركًا ظاهرًا في خطاب الجميع، مع إمكانية تعزيز الدور في الجانب السياسي والعسكري، الذي قد يساعد في تحقيق التسوية السياسية وإنهاء الحرب.

 

التوصيات

  • مضاعفة الجهود الأممية الضاغطة من أجل تنفيذ اتفاق الرياض، وإعداد رؤية أممية مزمنة ضامنة لهذا التنفيذ ومراقبة له.
  • تحريك الجهود الدولية اللازمة لضمان تنفيذ الاتفاق، وإلزام المتصارعين المحليين وداعميهم الإقليميين بذلك.
  • العمل بشكل عاجل على تنفيذ الشق الاقتصادي من الاتفاق بوصفه أمرًا حيويًا للناس، وباعتبار أن الجانب الاقتصادي ذو خاصية مركزية يمكن أن يؤثر بشكل إيجابي في الجوانب الأخرى، كما أن هذا الجانب يحظى بتوافق الجميع.
  • تقديم حقائق ووقائع دقيقة في الإحاطات المقدمة إلى مجلس الأمن تتضمن تفاصيل عن سير تنفيذ الاتفاق، والاستعانة بالخبراء من أجل مراقبة أداء الأطراف الموقعة عليه، بهدف إعطاء أعضاء مجلس الأمن رؤية واضحة عن ذلك من أرض الواقع، وتحديد الطرف الذي يعيق تنفيذ الاتفاق.
  • الأخذ بعين الاعتبار المؤثرين الدوليين الذين يمكنهم أن يسهموا إيجابيًا في تنفيذ الاتفاق، والموازنة في التشاور معهم ومع الفاعلين الإقليميين، كي لا تكون المشاورات الإقليمية ذات أثر سلبي معاكس في هذا الجانب.
  • الاستفادة القصوى من كل الدعم الدولي للمبعوث الأممي وتوظيفه باتجاه الضغط على العناصر المحلية والإقليمية المشاركة بشكل مباشر في عرقلة تنفيذ الاتفاق، من أجل البدء في تنفيذه.
  • توسيع الأطراف الخارجية التي ينبغي إشراكها من أجل الضغط باتجاه تنفيذ هذا الاتفاق ليشمل مختلف الأطراف ذات المصلحة، لاسيما مكونات المجتمع المدني في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة.

 

الهوامش:

[1] – OSESGY. MANDATE. Office of the Special Envoy of the Secretary General for Yemen. Accessed: 2 Dec 2021. https://osesgy.unmissions.org/mandate

[2] – عدن تايم. التقى الرئيس الزُّبيدي.. المبعوث الأممي يثمن مواقف الانتقالي الداعمة لجهود إيقاف الحرب وإحلال السلام. عدن تايم. 11 نوفمبر 2021. https://www.aden-tm.net/NDetails.aspx?contid=189839

[3] – سبوتنك عربي. قيادي بالانتقالي يكشف موقف المجلس من تصريحات المبعوث الأممي الجديد لليمن. 24 سبتمبر 2021. https://arabic.sputniknews.com/20210924/%D9%82%D9%8A%D8%A7%D8%AF%D9%8A-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%82%D8%A7%D9%84%D9%8A-%D9%8A%D9%83%D8%B4%D9%81-%D9%85%D9%88%D9%82%D9%81-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%B3-%D9%85%D9%86-%D8%AA%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%AD%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A8%D8%B9%D9%88%D8%AB-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%85%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D9%84%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86-1050237100.html

[4] – Ibrahim Jalal. The Riyadh Agreement: Yemen’s new cabinet and what remains to be done, Middle East Institute. February 1, 2021. https://www.mei.edu/publications/riyadh-agreement-yemens-new-cabinet-and-what-remains-be-done

[5] – OSESGY. BRIEFING TO UNITED NATIONS SECURITY COUNCIL BY THE SPECIAL ENVOY FOR YEMEN – MR. MARTIN GRIFFITHS. Office of the Special Envoy of the Secretary General for Yemen.14 May 2020. https://osesgy.unmissions.org/briefing-united-nations-security-council-special-envoy-yemen-%E2%80%93-mr-martin-griffiths-1

[6] – OSESGY. BRIEFING TO UNITED NATIONS SECURITY COUNCIL BY THE SPECIAL ENVOY FOR YEMEN – HANS GRUNDBERG. Office of the Special Envoy of the Secretary General for Yemen. 10 Sep 2021. https://osesgy.unmissions.org/briefing-united-nations-security-council-special-envoy-yemen-%E2%80%93-hans-grundberg

[7] – OSESGY. BRIEFING TO UNITED NATIONS SECURITY COUNCIL BY THE SPECIAL ENVOY FOR YEMEN – MARTIN GRIFFITHS. Office of the Special Envoy of the Secretary General for Yemen. 15 Jun 2021. https://osesgy.unmissions.org/briefing-united-nations-security-council-special-envoy-yemen-%E2%80%93-martin-griffiths-4

[8] – OSESGY. BRIEFING TO UNITED NATIONS SECURITY COUNCIL BY THE SPECIAL ENVOY FOR YEMEN – MARTIN GRIFFITHS. Office of the Special Envoy of the Secretary General for Yemen. 11 Nov 2020. https://osesgy.unmissions.org/briefing-united-nations-security-council-special-envoy-yemen-%E2%80%93-martin-griffiths

[9] – OSESGY. BRIEFING OF THE SPECIAL ENVOY OF THE UNITED NATIONS SECRETARY-GENERAL FOR YEMEN TO THE OPEN SESSION OF THE UN SECURITY COUNCIL. Office of the Special Envoy of the Secretary General for Yemen. 22 Nov 2019. https://osesgy.unmissions.org/briefing-special-envoy-united-nations-secretary-general-yemen-open-session-un-security-council

[10] – Government Offices of Sweden. Joint Communiqué on the Conflict in Yemen. This content was published in the period between 21 January 2019 and 8 July 2021. https://www.government.se/statements/2020/09/joint-communique-on-the-conflict-in-yemen/

[11] – Sana’a Center For Strategic Studies. The Riyadh Agreement’s Fading Promise – The Yemen Review. October 2020. https://sanaacenter.org/publications/the-yemen-review/11814

[12] – Saleh Baidhani. Riyadh agreement advances in Yemen as UN pursues comprehensive formula. The Arab Weekly. Office of the Special Envoy of the Secretary General for Yemen. 15 Aug 2020. https://thearabweekly.com/riyadh-agreement-advances-yemen-un-pursues-comprehensive-formula

أًعدت هذه الورقة ضمن مشروع "اتفاق الرياض وعملية السلام في اليمن: مخاطر الفشل وفرص النجاح"، الذي يُنَفَّذه مركز العربية السعيدة للدراسات، بدعم من مؤسسة فريدريش ايبرت الألمانية، ويهدف إلى فهم الأسباب التي حالت دون تنفيذ هذا الاتفاق، وتقديم توصيات استرشادية واقعية للأطراف المعنية، للدفع نحو تنفيذه.

محمد المحفلي

د. محمد المحفلي نائب المدير التنفيذي لمركز العربية السعيدة للدراسات، وهو باحث زميل في مراكز جامعة كولومبيا العالمية - عمان، جامعة كولومبيا الأمريكية. عمل باحثا في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة لوند في السويد، تركز أبحاثه على تحليل الخطاب الأدبي والثقافي والسياسي والإعلامي في العالم العربي، مع التركيز على اليمن، حصل على الدكتوراه في الأدب العربي من جامعة القاهرة في العام 2014م.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

مقر المركز
تابعونا على وسائل التواصل الاجتماعي

الاشتراك في النشرة البريدية

    جميع الحقوق محفوظة ©  لدى مركز العربية السعيدة للدراسات 2021

    Open chat