دراساتالذبيحة الحيوانية كعنف بديل.. أنثروبولوجيا “الهَجَر” عند القبائل اليمنية

16 مارس، 2021by أحمد العرامي

ما الذي يجعل الأبقار تذبح عقاباً على ذنب لم تقترفه؟ عادةً ما يحضر مثل هذا التساؤل إزاء ممارسة ما يسمى بـ"الهَجَر" لدى القبائل اليمنية، وهو تساؤل يتعلق بوظيفة هذا القانون البدائي، هذه الورقة ليست محاولة للإجابة عليه فقط، إنها محاولة للمساهمة في تعميق النقاش حول علاقة العرف القبلي بالقانون الحديث.

 

أحمد الطرس العرامي

 

 

 

 

 

 

لقراءة الورقة بصيغة pdf


مقدمة

تمثل القبيلة المكون الرئيسي للمجتمع اليمني وهي نسق اجتماعي تربط بين أفراده مجموعة من الروابط الاقتصادية والاجتماعية والجغرافية وتحكمه منظومة من الأعراف التي تشكل عقداً اجتماعياً، تعالج هذه الأعراف النزاعات بين أفراد القبيلة أو بين العشائر داخل القبيلة الواحدة، وكذلك بين القبائل بعضها البعض. والجماعة تتوارثها شفاهياً كما تتوارث ممارستها، ومع احتمال وجود ثبات نسبي فيها فإن جانباً منها قابل للتطور والتغيير، وهي إجمالاً قوانين وأحكام معنية بمعالجة شؤون الحياة، بعضها تشكل ركائز أساسية بمثابة التقاليد وهي متعددة الوظائف والسياقات: مثل “التحكيم”، و”الصواب”، و”الهجرة”، و”العيب”، و”العقيرة”، و”الهَجَر”، وغير ذلك.

والهَجَر أغرب هذه الأحكام وهو عبارة عن ذبح حيوان أو أكثر من (أبقار، أغنام، جمال) كعقوبة على طرفٍ من أطراف النزاع، وكنوع من الترضية أو الاعتذار للطرف الآخر، وهذا الحكم العرفي معمول به في قضايا كثيرة، وهو من الشيوع والانتشار إلى درجة أنه يحل محل بعض أحكام القانون الرسمي ويؤدي دور الأحكام القضائية، وما تزال له فاعليته القوية في المجتمع القبلي بالرغم من أن التغيرات الثقافية قد جعلته محل تساؤلات من قبل المتعلمين وسكان المدن، بعضها جاد والبعض الآخر ساخر، لكنها تدور حول هذه النقطة: ما الذي يجعل الأبقار تذبح عقاباً على ذنب لم تقترفه؟

تذهب هذه الورقة إلى أن للهَجَر وظيفته باعتباره عنفاً بديلاً للعنف المحتمل أو المتوقع، أي أن له ما لأحكام القانون من وظيفة في حفظ السلام وتماسك الجماعة، وإيقاف العنف أو تحاشي المزيد منه وهي أهداف تقع في صلب وظائف القبيلة ككيان اجتماعي. كما أنها تحقق الغرض نفسه الذي قام من أجله النظام القضائي الحديث. ومن أجل تحليل هذه الوظيفة سوف يستند هذا البحث على ما يطرحه رينيه جيرار حول طقس الذبيحة، أو الأضحية باعتبارها عنفا بديلاً عن العنف البشري المحتمل. فالهَجَر يبدو النموذج الأمثل لوظيفة الإبدال هذه، إنه يتجلى بوصفه أكثر أشكال التضحية صراحةً في التعبير عن هذه الوظيفة المتمثلة في إيقاف العنف قبل بدئه، أو إيقاف دورته في نقطةٍ ما من خلال إزاحة الجماعة العنف المحتمل الذي يمكن أن يصيبها والتعويض عنه بذبيحة حيوانية.


الذبائحية والإبدال

 

في كتابه “العنف والمقدس” يرى رينيه جيرار أن العنف أصيل في الإنسان، ولكن المجتمعات الإنسانية سعت من أجل صرفه عنها إلى إرجاع مسؤولية الشر إلى شخص بعينه، تمهيداً للتخلص منه فيما يشبه فكرة “كبش الفداء”، وذلك في سبيل حماية نفسها أو نظامها من العنف الحقيقي بعنف بديل، أو رمزي، أو ما يسميه بـ “الإبدال الذبائحي” المعوض عن العنف المحتمل. وهو في هذا يقدم تفسيراً لوظيفة “الأضحية” أو “الذبيحة” المقدسة، تختلف عما يذهب إليه علماء آخرون، مثل جوزيف دو ميتر، الذي يرى “في الضحية الطقسية خليقة “بريئة” تعاقب على فعلة اقترفها أحد الـ “مذنبين””[1]. إذ على العكس من ذلك يذهب رينيه جيرار إلى أنه ينبغي أن ننظر إلى فعل التضحية على أساس مرتكز يبطل الفرق الخُلقي “ولا ينشئ الصلة على قاعدة الذنب والبراءة بين الضحية الممكنة والضحية الفعلية.. فالمجتمع إذا تَهددَهُ خطر العنف سعى إلى الانحراف به عن أعضائه الذين يعتزم حمايتهم بأي ثمن، نحو ضحية محايدة نسبياً، ضحية “صالحة للتضحية””[2].

يرصد رينيه جيرار وظيفة الإبدال الذبائحي من خلال تتبع طقس الأضحية في الحضارة اليونانية القديمة واليهودية، كما يستدل بأسطورة قايين وهابيل في التوراة، فحين قام قايين بقتل هابيل لم يكن يملك مخرجاً ذبائحياً لإرضاء إله العبرانيين، فوجدَ ضالته في “طرف ثالث” هو أخوه، كما يستدل بقصة ابراهيم واسحق (إسماعيل في القرآن)، حين يتم استبدال التضحية بالابن بذبيحة حيوانية[3]. وفي رأي جيرار إن هذا الإبدال ينتقل بالتدريج من مستوى العنف البشري إلى الذبيحة الحيوانية وصولاً إلى العنف الرمزي المحض، فبالتضحية بأحد الأفراد الذي تُلقى عليه مسؤولية ما حدث من عنف وشر، يعود السلام والهدوء. هذا الفعل يشكّل ما يسميه بالإبدال الذبائحي الأول، حين يكون الضحية إنساناً، ولأن خطر العنف يبقى حاضراً رغم المحظورات، وأحياناً كنتيجة مترتبة على الفعل الذبائحي الأول، وخشية من عودته بسبب استمرار آلية الرغبة المحاكاتية؛ تقوم الجماعة بإنشاء إبدال ذبائحي ثانٍ يعوّض الضحية الفدائية المنتمية إليها بضحية طقسية من خارجها، هنا يقع الاختيار على أسرى الحرب والمهمّشين والمنبوذين من مرضى ومعتوهين، ثم نصل إلى المرحلة التي تعوّض الذبيحة الحيوانية كل هذا، ويكون الانتقال إلى البعد الرمزي[4].

والواقع أن مثل هذا التفسير يمكن أن يكون مهما في سياق قراءة شعيرة الأضحية في اليمن، فقد شكلت الذبائحية عنصراً مهماً من عناصر الدين في جنوب شبه الجزيرة العربية قديما. وقد وردت في النقوش المسندية لفظة (ذبح) تعني (ذبيحة) و(ذبحم) و(أذبح) ذبائح، وتعد البقر والثيران والغنم والماعز من أكثر الحيوانات شيوعاً في الذبح عند سائر الشعوب السامية، وتقدم تلك الذبائح في مناسبة كبناء منشأة خاصة أو شكراً وحمداً للآلهة على رغبة أو أمنية تحققت.. أو في مناسبات كالحج أو الاحتفالات الدينية[5]، بيد أن الذبيحة قد وردت بحسب النقوش المسندية “كعقوبة تفرض على من يفعل ما يستوجب الحرمان وفعل ما هو محظور، وبعض النقوش ذكرت أن القرابين كالشياه وغيرها، تساق للآلهة تكفيراً”[6].

والتضحية ما تزال حاضرةً بقوة في الثقافة الشعبية في اليمن في كثير من التقاليد والمناسبات، مثل ذبيحة الاستسقاء، وذبيحة التشييد أو الانتهاء من بناء جديد، وذبيحة الميلاد، والموت، والعرس، ويسمى بعضها “فدو” بما في ذلك من دلالة على الفداء. ففي كل بناء جديد يضحي الناس بذبيحة، ويقيمون مأدبة بلحمها يسمونها “وكيرة”، وهم يعتقدون أنه لا بد من ذلك من أجل تفادي شر السكن في المنزل الجديد. وفي الحالات التي يتكرر فيها أن يصاب سُّكان منزل ما بالمرض، فإنهم يعتقدون أن المنزل مسكون ب”أرواح شريرة” أو “جن”، وعند ذلك يذبحون أضحية كل عام ويقيمون مأدبةً من لحمها، ويسمى ذلك بـ”الحضرة”.

ومثل هذا الاعتقاد يحضر في الموت، إذ يحرص أهل “المتوفي” في العديد من المناطق اليمنية على ذبح ذبيحة، أو أكثر، ويسمونها في بعض المناطق “قافي”، ويعتقدون أنهم إن لم يفعلوا ذلك فسوف يصاب أحد أفراد الأسرة، أو القرية، أو العشيرة، بأذى، وكأن الموت إنما زارهم متعطشاً للدماء، ولن يكتفي بأول ضحية له، ولذلك يجب إرضائه بأضحية بديلة. وهناك بعض الأسر في قرية “الأذمور” بمحافظة تعز كانت حتى وقت قريب تتقرب إلى جد من الجن اسمه “مدهم”، عند ولادة مولود جديد، يقومون بذبح أضحية من الأغنام، ويتركونها بعد قطع الرأس وإخراج الأحشاء، في مكان محدد من منطقة الشعاب الواقعة في أطراف القرية حماية للمولود؛ إذ كانوا يعتقدون بأن جدهم إذا لم يقدموا له هذا القربان سيكون رد فعله عنيفا، وسيقضي على حياة المولود[7].

إن ممارسة الذبيحة هنا تبدو كما لو كانت تطمح إلى منح العنف ما يحتاجه من ذبائحية حتى يهدأ روعه، ويعود ليندمج مع الإله، إن العنف في مثل هذه الحالات كما يخبرنا جيرار تماماً: “يهدأ ويرتاح بفعل استقطاب التضحية الذبائحية له، كما لو أنه يطرد وينضم إلى جوهر الإله انضماماً يقضي على كل تمايز بينهما، ما دامت كل ذبيحة تكرر على نحو مصغر ذلك الهدوء العظيم الذي حصل لحظة الاجماع التأسيسي، أي لحظة تجلي الإله للمرة الأولى”[8].

ومهما يكن فإن مهمة تفادي العنف المحتمل، والمرجوة من خلال فعل الضحية الفدائية في الطقوس والمعتقدات الدينية القديمة، تتحقق في الهَجَر بشكل أكثر وضوحاً وانكشافاً، وقد انسحب من فضاءاته المقدسة ليعمل في الحيز الاجتماعي المحض، والمباشر، ومتصلاً بالقانون[9]، حيث تلقي الجماعة العنف المحتمل عن كاهلها، عن طريق إزاحته شيئاً فشيئاً إلى فضاءات بديلة، وهي بالتأكيد فضاءات رمزية، ومعوِّضة، تختار فيها الجماعة ضحيةً مناسبةً من خارجها لتدرأ عن نفسها العنف. بل إن الهَجَر وما يصاحبه من طقوس وما يتعلق به يوضح لنا تدرج لعبة العنف من الشكل المادي إلى مستوى العنف الرمزي.


الذبيحة كقانون

 

من بين أحكام نظام القانون العرفي لدى القبائل اليمنية، يُعدُّ الهَجَر أحد أحكام فضِّ النزاعات والصلح بين المتنازعين، ويقوم فيه فرد أو أكثر، من أفراد القبيلة بالاعتذار والإقرار بالذنب والتكفير عن الخطيئة ورد الاعتبار بحق فرد، أو أكثر، من أفراد القبيلة نفسها، أو قبيلة أخرى، من خلال تقليد يذبح فيه المعتذر (أغنام، أبقار، جمال)، يتحدد عددها بحسب حجم وطبيعة الجرم المرتكب، ووفقاً لما يُقرُّه طرفٌ ثالث (هيئة تحكيم غالباً)، وأحياناً ما يُقرُّه الطرف الثاني إن تم تحكيمه، وقد يتم ذلك بمبادرة من الطرف الأول ووفقاً لتقديره، أو وفقاً لتقاليد العرف المعمول بها.

ويعرِّفُ مطهر الإرياني الهَجَرَ أو التَّهْجيرَ بقوله “التَّهْجير: في الخصومات ضرب من الترضية، يحكم به على المبطل أو المخطئ إرضاء لمن وقع عليه الباطل أو الخطأ، ورداً لاعتباره وكرامته، ويسمى ما يُحكم به على المبطل المخطئ (الهَجَر) وكثيراً ما يكون هذا الهَجَر ذبيحة فأكثر من الغنم، أو ذبيحة فأكثر من البقر والثيران خاصة”[10].

ويَحلُّ أبناءُ القبائل، خلافاتهم ونزاعاتهم، من المشاجرات إلى الحروب، ومن قضايا النزاع حول الملكية، إلى قضايا الثأر الدامية، عبرَ وسائل عدة، من أبرزها تقديم ذبيحة حيوانية أو أكثر فيما يعرف بالهَجَر، كفعل تأسيسي للصلح بين طرفين متنازعين، ولا يقتصر ذلك على قضايا النزاع بين الأفراد، بل يمتد إلى قضايا النزاع بين الجماعات، كما لا يقتصر على جناية محددة، فالهَجَر يكون حكماً في العديد من القضايا مثل إشهار السلاح، أو استعماله، كالطعن، أو الإصابة غير المميتة. كذلك الإهانات التي تمس الكرامة مثل اللطم، الإساءة إلى الشرف، إهانة المرأة، السرقة، الزنا، والقتل، كما يحكم به في تسويات الحروب بين القبائل وقضايا الثأر الوليدة أو المزمنة.

وعلى سبيل المثال، إذا كان للتصرف بالسلاح القاتل، أثناء شجار بين شخصين أو طرفين، أحكامه المتنوعة، فإن الهَجَر قد يكون أحد هذه الأحكام “فمن بادر إلى الإمساك بمقبض الجنبية دون أن يسلها عليه هَجَر، ومن استلها جزئياً أو كلياً فعليه هَجَر لكل حالةٍ، أما في حالة الطعن فللقضية حالتها وأحكامها، وقد يدخل فيها الهَجَر مما يُحكم به، وللمشاجرات والاشتباكات بالأيدي والعصي والهراوات أحكامها، ولكن الملطام بصفحة اليد على الخد أو صفحة الوجه هو من أكبر الجنايات، لأن فيه إهانة وكسر ناموس، ولهذا فإن الهَجَر فيه يكون كبيراً”[11].

ومثل ذلك حين يتنازع طرفان حول أملاك (أو ما شابه)، فإن لكل قضية أو مسألة أحكامها العرفية الخاصة بها، إنما يحكم بـالهَجَر في المسائل المعنوية؛ أي في ما يتخلل النزاعات من إساءات أو إهانات أو تجاوزات اعتبارية، كأن “يحكم على أحد الطرفين بهَجَر إما ترضية لأنه كان البادئ، أو رداً للاعتبار والكرامة لهذا الطرف أو ذاك إذا تفوه أثناء النزاع على الآخر بكلام، أو تطاول عليه باليد ولو بمجرد تهديد، كما يحكم بالهَجَر في الخصومات الكلامية على من يبدأ بتوجيه ما يعتبرونه سباً أو مساً بالكرامة، وإذا تبادل الطرفان الكلمات القاسية أجري الصلح بينهما وحكم بالهجر على من تجاوز الحدود في كلامه”[12].

وتفصل مدونة العرف القبلي الحقوق أو ما يسمى ب”الحد الصافي شرعة” في ثلاثة حقوق لا يمكن إهمالها، وهي دم الإنسان، وعرضه، وماله، وأما الحكم في المال فينص العرف على إرجاعه..، وأما العرض والدم فلهما أحكام كثيرة، لكن الهجر جزء لا يتجزأ منها يحضر في العديد من مراحلها، ويختلف وفقاً لأنواعها، وحيثياتها، ومستواها[13]، ويرافق عملية الصلح والاحتكام، حتى في تلك الحالات التي يحكم فيها بالدية، وبعضها حتى قبل صدور الحكم يذهب أهل الجاني مثلاً بعقيرة لأهل المجني عليه، قبل الحديث في أي تفاصيل، وهو إلى ذلك يعالج ما يتعلق بالحقوق الاعتبارية التي يمكن أن تفضي إلى انتقام، فالقضايا التي يحكم فيها، وفقاً للنظام القضائي الحديث، بالتعويضات المادية عن الاساءات والتشهير مثلاً، كثيراً ما يحكم فيها، وفقا للعرف القبلي، بـالهَجَر.

يعمل هذا في نزع أسباب التوتر، وإصلاح ذات البين، ونزع الضغائن في أجواء تنتهي، بطبيعة الحال، إلى حالة من التسامح والسلام. فـ”عند التَّهْجير يذهب الـمـُـهَجِّر إلى بيت الـمُهَجَّر في وضح النهار وأمامه ما حُكم به عليه من ذبيحة أو ذبائح فيذبحها أمام بيته، وهنا يعرف الجميع أن من تعرض للخطأ والباطل قد أُرضي تمام الإرضاء، وبذلك تنتزع السخائم انتزاعاً كاملاً، فإن من هُجّر يرضى كل الرضى مهما صدر في حقه من ذنب، كما أن المهجِّر لا يشعر بغضاضة، بل يجد في ذلك مخرجاً من حرج وقع فيه عند الغضب. كما أن من يساق إليه الهَجَر قد يكتفي بذلك، وعند وصول المهجِّر والذبائح إلى باب بيته قد يظهر ويقول: الهَجَر مقبول ومردود، أي أنه يعفي الـمُـهجِّر من الذبح ويكون من لم يذبح كمن ذبح في الإرضاء”[14].

وهذه هي الوظيفة المباشرة للهَجَر في أبسط معانيه وصوره، ما يعني أنه أكثر أشكال التضحية وضوحاً في التعبير عن سعي الجماعات البشرية لصرف العنف عنها بضحايا بديلة من خارجها، بما يمكن لذلك أن يحققه من تماسك وسلام داخل الجماعة.

وقد لا نجد تفسيراً للكيفية التي يمكن أن تؤدي فيها “ذبيحة حيوانية” إلى إرضاء طرفٍ من الأطراف، أو طرفين، ووضع حد لخلافهما، إلا أن في كل خلاف أو نزاع فرصة لتوالد متوالية من العنف، حيث كل طرف سيكون، كما هو الحال مع كل أخوين في العهد القديم والأساطير الاغريقية على السواء “مدفوعاً بما يشبه الحتمية القاهرة إلى ممارسة العنف ضد الآخر”[15]. ولإيقاف ذلك، يتم مخادعة العنف بذبيحة، أو ضحية ثالثة من خارج الجماعة بوصفها “آخر الضحايا التي يحل بها العنف من دون أن تتسبب في انتقامات جديدة”[16]، ومن هنا يغدو العنف عنفاً مشروعاً أو مقنناً هدفه إيقاف العنف التبادلي، بمعنى أنه بمثابة جسر عبور إلى اللاعنف، أو إيقاف للعنف عند حد معين.

وتتجسد فاعلية الهَجَر ليس فقط من حيث كونه حكماً عرفياً يعمل بشكل مباشر في نزع أسباب التوتر بين الأطراف المتنازعة، بل أيضاً من حيث كونه يعمل في القضايا الحساسة تحديداً، أي القضايا التي تكون مرشحةً لإطلاق شرارة العنف المدمر. فالإساءات المعنوية، التي يحكم فيها عادةً بالهَجَر، أفعال جسيمة للغاية بالنسبة لمجتمع يقوم على مفهوم “الشرف” والحميّة القبلية، ولذلك فإنها أحد بؤر التوتر التي قد تفضي إلى العنف.

إن أفعالاً مثل “الصفع”، و”شتم العرض” و”إهانة المرأة” وغيرها، تلحق العار بمن تعرض لها، وقد تدفعه لأن يقتص لذلك، والاقتصاص لا يكون إلا بفعل موازٍ للفعل الأول، أو أكبر منه، مثل الصفع مقابل الصفع، أو القتل مقابل الصفع. هكذا يصبح من السهل جداً أن تتحول المشاجرات العادية، أو الخلافات البسيطة إلى عنف مسلح، والعنف المسلح إلى ثأر طويل الأمد. حيث القتل بدعوى الثأر يؤدي بطبيعته إلى المزيد من القتل بدعوى الثأر نفسه، وحيث كل عمل انتقامي يستدعي أعمالاً انتقامية جديدة، إلى الدرجة التي يشكل فيها الثأر، بتعبير جيرار “سيرورة لا متناهية، فلا يكاد ينبجس من نقطة معينة داخل الجماعة حتى ينزع إلى التفشي في الجسم الاجتماعي بكامله، منذراً بإحداث سلسلة من ردود الفعل التي تتداعى عواقبها الوخيمة سريعاً في مجتمع ضيق الأبعاد”[17].

لذلك، ينص العرف القبلي على عدم الاقتصاص في مسائل “حجج العرض”: “فلا يلزم نقا في عرض” أي أن “الجرائم المتعلقة بالعرض لا يلزم الاقتصاص فيها من نفس النوع وإنما عقوبة بدلية تأديباً”[18].. سواءً أكانت جرائم شتم أو صفع، والقعوبة هنا هي الذبيحة، هكذا تتجسد بكونها “فداء” للجماعة، وتفادياً للعنف الذي يمكن أن يضرب أفرادها، ويخلخل بنيتها، إن لها “وظيفة واقعية تطرح فيها مسألة الإبدال على مستوى الجماعة كلها، إذ ليست الضحية بديلاً عن هذا أو ذاك من الأفراد المهددين، بنوع خاص، ولا هي تقدمة إلى فرد معين يفوق سائر الأفراد دمويةً، لكنها البديل عن أعضاء المجتمع كافةً وتقدمة لهم وعنهم جميعاً”[19].

والثقافة الشعبية تتضمن ما يعكس وعي المجتمع بهذه الوظيفة، وثمة مثل شعبي يتم تداوله أو استحضاره في سياق الهَجَر، يقول المثل:

من ماله ولا من دمه.

أي غرِّم الجاني من ماله أهون من أن تغرمه من دمه، والغرامة هنا يقصد بها الهَجَر تحديداً أي أضحية حيوانية، وكأن معنى المثل “من دم ماله لا من دمه”، أي دم حيواني أهون من دم إنسان، على أن الغرامة المالية جزء من حكم الهجر، ففي العرف القبلي يحكم بثلث قيمة الذبيحة كتعويض مالي (تماماً كالتعويض عن التشهير في القانون الحديث)، ومن هنا يتم استبعاد أن يكون الأصل في الذبيحة هي غرامة من المال، بالرغم من أن الأبقار في هذا المجتمع الزراعي جزء من المال والثروة، إذ يعتمد الاقتصاد المنزلي (الأسري) عليها إلى جانب الأرض، ولكن حكم الهجر لا يراعي ذلك، لا في العدد ولا الكيفية، ولا في امتلاكها من عدمه، بدليل أن من ليس لديه بقر يذهب ليشتريها من ماله، وهذا هو الغالب، وقد تتوزع ذلك الأسرة أو القبيلة التي ينتمي إليها، بمعنى أن الذبيحة أساسية، وما يعزز ذلك، هو أن المُهَجَّر قد يأخذ المال (الثلث: التعويض) لكن لا يمكنه أخذ البقر، ففي حين يساق إليه حيوان للذبح فإنه مخير بين أن يعفو، وهنا تعاد البقر إلى صاحبها حيةً دون أن تذبح. أو أن يقبل، وهنا لا يجوز له امتلاكها مثل المال التعويضي، بل تقسم بينه وبين المهجر، هنا يستوجب الأمر الذبح ما يعني أنه أساسي.


بين الهَجَر والهِجْرة

 

يعمل الهجر بشكل ما على حفظ التوازن داخل الجماعة، إنه إحدى آليات القانون العرفي في تحقيق هذه الوظيفة، خصوصاً أن فاعليته تتجسد أكثر في الحقوق الاعتبارية، بما أن إسالة الدم والذبيحة تشي بشكل من الأشكال بقداستها، سوف يتضح هذا أكثر، من خلال المعنى اللغوي للهجر الذي سوف نحاول استكشافه الآن، ولكن ذلك سوف يتم، من خلال مقاربته بمفردة أخرى في العرف القبلي نفسه، هي الهجرة، وهو أحد قوانين العرف القبلي المختصة بإحلال السلام، وقبل هذه المحاولة لا نظن أنه قد تم الإشارة إلى الرابط بينهما، بالرغم من العلاقة القوية من حيث المعنى اللغوي، والوظيفة القانونية العرفية.

يقال في الهَجَر: “هجّر فلان فلاناً يهَجِّره تَهْجِيْراً فهو مُهجِّرٌ له، والآخر مهجَّر، والذبيحة أو الذبائح: هَجَر”[20]، ولا معرفة لدينا بالدلالة المباشرة لهذا الجذر “ه.ج.ر”، لكننا نعرف أنها تختلف عن دلالة الجذر نفسه “ه.ج.ر” في المعاجم العربية والذي يقصد به “نقيض الوصل” الذي يعني الترحل والانتقال والخروج من بلدٍ إلى آخر. فالهَجَر مصطلح قبلي خالص يرتبط معناه بشكل مباشر بالعرف القبلي ومصطلحاته وأعرافه، ولذلك فإن فهمه يمكن أن يتم بمقاربته بالجذر نفسه في اللهجة العامية، من خلال ما يسمى قانون “الهِجْرة” في العرف القبلي، وهو أقرب القوانين والأعراف القبلية اليمنية، إلى الهَجَر، لغةً ودلالة. بالإضافة إلى الجذر “ه.ج.ر” في العربية الجنوبية.

وقانون الهِجْرة[21] في العرف القبلي يقصد به: مكان أو شخص أو أشخاص تعترف لهم القبائل بحقوق عدم الاعتداء والتعرض لأي سوء, ويعتبرون في حماية الجماعة, والتعرض لهم بمكروه يعرض مرتكبه لأحكام ثقيلة وكبيرة, ويعتبر عيباً ممقوتاً, عواقبه وخيمة على فاعله. ويشترط على الهجرة ألّا يستخدم السلاح أو يحمله وأن يستغني عنه بحماية قبائل المنطقة. والهِجْرة من الأرض أماكن تحددها القبائل وتعلن عنها, وعادةً ما تكون هذه المناطق إما ساحات عامة أو أسواق، أو أماكن مقدسة، أو مدن رمزية (مثل صنعاء)، أو مدن العلم، واقرار توصيفها ب”هجرة” في العرف القبلي، يعني ألا تغزى ولا تتعرض لمعرة جيش أو قوم، وألا يسفك فيها دم أخذاً لثأر. وأما الهجرة من الناس، فمثل رجال الدين والفقهاء والسادة ممن لهم صفة دينية، أو صفة قبليّة بحيث يعدون مرجعياتٍ عرفية قبلية، أو غير قادرين على حمل السلاح، ووصفهم بالهجرة، يعني ألا يحملوا السلاح، ولا يحمل ضدهم، ولا يشتركون في حرب، ولا يتعرضون لاعتداء[22].

وفي الهجرة يقال “هجّرت القبيلة أو العرة أو المنطقة بني فلان تُهَجِّرهم تهجيراً فهم (هِجْرة) مُهجّرون، وبلدهم أو قريتهم أو ديارهم (هِجْرة) مهجرة”[23]، وقد يكون معناها هنا الأمان، من حيث وظيفته المباشرة التي تعني تحريم الاعتداء وتجريمه، ويبدو أن ثمة ما لم يلتفت إليه أحد من قبل، وهي الصلة بين هذا المعنى للهجرة ومعنى الهَجَر “الذبيحة”؛ هذه الصلة تتجاوز التشابه اللفظي في الجذر الثلاثي “ه.ج.ر”، إلى علاقة معنوية ووظيفية تتمثل في صرف العنف، وتقييده، وارتباطه بفكرة المحظور أو المقدس، إذ أن كلاً منهما يعمل، بشكل من الأشكال، على تقييد العنف وتقنينه، بل ويعمل في المناطق الحساسة التي تشبه الحرم أو المقدسات.

ويعمل الهِجْرة في الفئات والأماكن المقدسة أو التي لها علاقة بالمقدس، ويبدو أن ذلك يعود إلى تقليد قديم قدم القبيلة اليمنية، فاشتماله على الحكام ورجال الدين والتفقه، والمدن والمعابد والأسواق والقرى المخصصة كمكان عِلم (هجر اليمن ومعاقله)، وغير ذلك مما يشمله قانون الهجرة من الأماكن والناس، يذكرنا بالحكام والكهنة وبعض طبقات المجتمع التي تشتغل في خدمتهم وخدمة الآلهة في اليمن القديم، والتي كانت تمنح خصوصيات معينة من بينها تحريم الاعتداء، ويشمل ذلك الأماكن ذات الخصوصية العالية مثل الأسواق والمعابد، والمدن، والمراكز الرئيسية التي كانت توضع في حماية الآلهة القبلية، وتكتسب صورةً مقدسةً، وقد وردت في نقوش المسند، لفظة (هجر) وتعني المدينة حيث “كان لكل شعب مدينة (هجر) تمثل مركز نشاطه الزراعي والتجاري، ومركز للديانة، وقد يضاف اسم الشعب على المدينة مثل شعب صرواح ومدينة صرواح”[24]، ويبدو أن هذه المراكز كان يُتفق حول تجنيبها العنف والاقتتال وحمياتها، ولمثل هذا أصل دنيوي، يرتبط بمصالح القبيلة وزعمائها، وإن كان يكتسب امتيازاته من ارتباط هذه الأماكن بالآلهة بشكل من الأشكال[25]، وقد أطلق عليها في الإسلام (حُرُم)، أي أن لها خصوصيتها وقداستها التي يحرم مسها بأي فعل ينتهك قدسيتها بما في ذلك العنف أو سفك الدم.

وتقترب من هذه القدسية قدسية النطاق الذي يعمل فيه الهَجَر، فالهَجَر، كحكم عرفي، يحكم به في المسائل المعنوية والحساسة التي يرتبط معظمها بالعرض والشرف، والدم، وهي مقدسة في كثير من الثقافات والأديان، وينطبق عليها ما ينطبق على المقدس، والمحظور، من حيث تحريم وتجريم المساس بها، أو الاساءة إليها.

إن العرض والشرف والدم.. تبدو أشبه ما تكون ب”الحرم المعنوية” في مقابل “الحرم المادية” التي تتجسد في الأماكن المقدسة التي يحرم انتهاكها أو تدنيسها أو سفك الدم فيها، ومن هنا يمكن القول إن الجذر اللغوي “هَجَر” يقترب من الجذر اللغوي “حرم”، في العربية، وهو ما تدل عليه حالتا الهَجَر والهِجْرة معاً، بيد أن العلاقة بين هذين القانونين أو العرفين، تتجاوز ذلك، إلى نقطة مشتركة تكون فيها الآلية “الأضحوية” هي المتحكمة، إذ أنه وبقدر ما أن الأعراض والمسائل المعنوية مهجَّرة، أي يحكم فيها بالهجر، فإن المناطق والفئات التي توصف بكونها “هجرة”، تكون مهجرة عملياً، أي يحكم في كثير من حالات انتهاكها، بالهَجَر/الذبيحة، ويعزز ذلك العلاقة بين كل من الهجر والهجرة، من حيث صلة الجذر اللغوي لهما “هَجَر” بالأمان، والسلام، كهدف واضح وأساسي وراء ممارسة العنف المشروط، وإجمالاً فإن الغرض من “الهِجْرة” هو الغرض الذي أنشئت في إطاره المدن، والحياة المدنية، مثلما أن الغرض من الهَجَر، هو الغرض الذي أنشئت لأجله القوانين والأعراف، والنظام القضائي، ومع ذلك فإن المقدس يبدو أصلاً في الحالتين.


الهَجَر والعنف الأضحوي

 

يوفر لنا الهَجَر نموذجاً مهما من نماذج التضحية يمكن من خلاله فهم التسلسل الذي يطرحه رينيه جيرار للإبدال الذبائحي، وهو يرى أن التضحية بدأت “بشرية”، باختيار “كبش فداء”، يُحمّل كل الشرور ويتم التضحية به، ثم تدرجت حتى وصلت إلى التضحية الحيوانية، قبل أن تنتهي عند العنف الرمزي. وثمة، في تقاليد الهَجَر، ما يعزز هذه الفكرة بقوة، ففي العرف القبلي، حين يريد شخص ما تفادي ما قد يترتب على الاستمرار في النزاع، والتعبير عن اعتذاره الشديد، يذهب إلى الطرف الآخر طالباً الصلح والسلام، وحين يصل أمام منزله أو أمام الشخص، يقول له: أهجرك بولدي، أو بواحد من العيال، وفي أحيان يقود أحد أبنائه، ويعرضه للذبح أمام منزل الآخر، أو يرميه تحت أقدام الآخر، ويمنحه الحق في ذبحه. وهذا أكبر أشكال طلب التصالح، وإن كان لا يقال له “هجر” بالمعنى المتداول في الذبائح الحيوانية، لأن الذبح لا يتم عادةً في هذا السياق، ولكنه أشد أشكال الارضاء أو الاعتراف بالذنب، وينجح ذلك في نزع أسباب التوتر والضغائن، ويكتفي المجني عليه بهذا ويعتبر فيه ارضاءً، والناس ينظرون بعين التقدير لعفوه عما وقع عليه من جناية، أو ما تعرض له، كما يكبرون قيام الجاني، أو المسؤول عنه بالاعتذار بهذه الطريقة.

وفي ذلك ما يدل على أن التضحية قد بدأت باختيار ضحية بشرية، كأن يقع على عاتقها الذنب، لأن الآباء في اليمن يقتادون الابن الجاني، أو الذي ارتكب الجريرة، إنما هذا ليس دائماً، إذ كثيراً ما يتم اختيار الأطفال، والصغار، والشبان، في قضايا يكون مرتكب الذنب فيها، هو الأب أو شخص كبير، حيث يمكن أن يمثل الأطفال هنا نموذج من نماذج الإبدال الذبائحي، كضحايا أقل أهمية، بالنسبة للمجتمع الذي يرى الرجولة الكاملة في القادر على حمل السلاح.

وفي هذا يتجلى الإبدال لكن في إطار بقاء ما يدل على فكرة التضحية بالبشر، وقد عرف مثل هذا في اليمن القديم، لكنه كان يقع على أسرى الحرب أو المهمشين، والعبيد. والتضحية بالأبناء معروفة في المجتمعات القديمة، ولعل أسطورة إبراهيم واسماعيل هي أكثر الأمثلة شهرةً في هذا السياق، بيد أن ما يتجلى فيها من إبدال الابن بالذبيحة الحيوانية يتجلى في الهَجَر، فنحن نعتقد أن الأصل في الهجر هي فكرة “كبش الفداء”، وسوق الآباء أبناءهم كهجر مفترض لا شك أن الهدف منه هو حرف العنف عن مساره الذي قد يصيب الجماعة، ولكن الأمر قد يصبح عكسياً، أي قد يؤدي ذلك إلى توالد العنف واستمراريته، والقبائل يخشون أن يقع الذبح على الأبناء الذين يقدمونهم ترضية للمهجَّرين([26])، ولهذا فإن الذبيحة الحيوانية، تمثل البديل الأمثل لإيقاف العنف المدمر والتبادلي. هكذا كلّما أراد طرف إرضاء طرفٍ آخر أو الاعتذار له، ساق له “بقرةً” أو أكثر، ليهجره، ويرضيه، بل إنه وفي حالات مبادرة أحد الطرفين لإرضاء آخر، قد يسوق الهجر من ذات نفسه، ويصل ساحة المهجَّر، ويذبحها مباشرةً، وقد يرمي ابنه فوق الذبيحة أو فوق دمها، ويقول: وأزيد أهجرك بولدي.

وتتجلى في ذلك أوضح الصور التي تقترن فيها الذبيحة الحيوانية الفعلية، بذبيحة بشرية محتملة، إن الهَجَر، يمثل، في كل هذا، أدنى مستويات العنف الأضحوي، باعتبار فعل الذبح يقع على ضحية حيوانية ليست ذات أهمية مثل أهمية البشر، وفي سياق إبدالي كعنف مشروط بديل للعنف التبادلي، ولكن من الواضح أن المجتمعات التي مارست التضحية، كانت تتصور أنه، ومن أجل تحقيق هدفها، لا بد أن تكون الأضحية المختارة، أقرب إلى الجنس البشري، ولذلك كان الاختيار يقع على الأجناس الحيوانية الأكثر مشابهة للبشر في نظر هذه المجتمعات، فالحيوانات التي بينها علاقات تقارب أو مماثلة مع المجتمع الذي يمارس الذبيحة، هي التي تختار الذبيحة من بين أفرادها.

نفهم من هذا كيف أن القبائل اليمنية كثيراً، بل غالباً، ما تختار ذبيحة الهَجَر من جنس “الأبقار”، ذلك أن الأبقار في هذا المجتمع، وهو مجتمع زراعي، أسمى وأرفع من بقية الحيوانات، والفلاحون من أبناء القبائل يخصصون لها الدور الأول من مساكنهم، كما لو كانت جزءاً من الأسرة، وفوق ذلك فإنهم يطلقون على أبقارهم أسماء بشرية تشبيها لها بالبشر، كما تكتسب تصنيفات بشرية، فهناك البقر البكيلية نسبة إلى قبيلة بكيل، والبقر الحاشدية نسبة إلى قبيلة حاشد المعروفة، وهناك الرداعية، والرياشية، وغيرها، وقد ورد مثل ذلك في النقوش[27]، ما يعني أن ثمة تصوراً لد المجتمع اليمني، يشبه التصور لدى المجتمعات الأخرى التي مارست التضحية، وكانت تفضل أضحية “البقر” تحديداً، ويعود هذا إلى تصور لدى هذه المجتمعات عن وجود مجتمع بقري حقيقي يوازي للمجتمع الإنساني ومبني على طرازه”[28].

والبقر ليست الجنس الحيواني الوحيد الذي تختار منه الذبيحة لدى القبائل اليمنية، فهناك “الأغنام” و”الجمال”، ولكن يبدو أن الدم شرط مهم للغاية، وعلى خلفية مشابهته بالدم البشري، إذ لا يتم الهَجَر في حيوانات مثل الأسماك والطيور، مما لا يتوفر فيه دم كثير، وفي هذا ما يتطابق مع تقاليد ممارسة التضحية في اليمن القديم، فعلى الرغم من كثرة الحيوانات التي ضحى بها اليمنيون القدامى، مثل ابن آوى، ونمور، ووشقان، ووعول، وثيران، وغنم، وماعز، وإبل، إلا أنه “لم تقدم حيوانات مثل الأسماك والدجاج، بحيث لم تذكر في قوائم الأضاحي التي ترد في النقوش اليمنية بسبب ضآلة قيمتها مقارنةً بالحيوانات الأخرى.. لأن المطلوب من الأضحية في المقام الأول إسالة أو إراقة الدم وهو أمر لا يتوفر في الدجاج أو الأسماك بشكل كبير”[29].

والدم أساسي في التضحية بشكل عام، كما هو في الهَجَر، حيث يمثل البديل الأنسب للدم الإنساني، فلا معنى للتضحية إن لم تكن أكثر قرابة ومحاكاة للعنف البشري الذي تحل تعويضاً عنه. وبحسب رينيه جيرار، فإن ثمة رغبةً محاكاتية، تقف خلف خلق عوالم بديلة من العنف أقل وطأة على الجماعة. حيث “البشر لا يمكنهم العيش في خضم العنف، كما لا يمكنهم العيش طويلاً في ظل نسيان العنف”[30]. وهو ما يمكن أن يتحقق في السعي الدائم لمحاكاة العنف، وملابساته وطقوسه، وحيثياته.


طقوس الَهجَر ولعبة العنف البديل

 

يقتضي السلام الاجتماعي، وفقاً لأنثروبولوجيا الذبيحة، تحويل لعبة العنف الخطرة والمدمرة، من المستوى الفعلي الواقعي، إلى المستوى الرمزي البديل،  والهجر أحد الأساليب الخاصة لدى القبيلة اليمنية في تجنب العنف، وإن كان في حد ذاته عنفاً رمزياً، أي عنفاً معوضاً، إلا أن له وظيفته الاجتماعية الخاصة التي تعمل على تحويل مسارات العنف إلى فضاءات غير بشرية، أو غير حقيقية. إذ تستمر لعبة الإبدال في التدرج لتتجسد في الأخير في مستوى رمزي أقل من المستوى الحسي المتمثل في الذبح.

في واقع الحال، هذا ما يتحقق في التقاليد المتبعة والاجراءات والطقوس المصاحبة للهجر، بدءاً من الاحتكام القبلي وصولاً لإصدار الحكم وتنفيذه (يوازي المرافعة القانونية وصولاً لتنفيذ الحكم)، بوصفه فضاءً بديلاً وساحةً لممارسة لعبة العنف في شكلها البديل.

ونعني أن الهَجَر كحكم، تسبقه وتصاحبه في غالب الأحيان ممارسات وطقوس تكاد تمثل في مجملها لعبة “العنف الرمزي” البديل، فإذا كان الهَجَر هو سفك دم بديل لسفك محتمل للدم الإنساني، أو محاكاة معوضة لهذا الفعل، فإن الاجراءات التي تسبقه وتصاحبه تمثل بديلاً لعملية الاقتتال (الحرب)، والتي تكتمل بها دائرة تجسيد العنف أو محاكاته.

هكذا يبدأ حل الكثير من المنازعات التي قد يحكم فيها بالهَجَر، باختيار لجنة تحكيم ممثلة من الطرفين أو طرف ثالث حاكم شيخ أو شخصية اجتماعية، ويقرُّ كل من الطرفين رمزيا بتخويل الطرف الثالث في الحكم، بأن يضع كل منهما لدى الطرف الثالث: قطعة سلاح، أو أكثر، وتمثل بمثابة الضمانات لتنفيذ كلا الطرفين حكمَ هيئة التحكيم. على أنها ضمانات رمزية فقط، لأنه، كثيرا ما كان الحَكَم أقل، من حيث القيمة المادية، من الغرامات أو التكاليف التي يقضي بها الحكم. ومع ذلك فإن هناك سياقات وقضايا خاصة يتم فيها “تثقيل العدال” أو الضمانات، وذلك حين يكون الخلاف شائكاً أو القضية كبيرة جداً، ولا بد من ضمانات أكبر تضمن تنفيذ المتخاصمين الأحكام[31].

ويمثل “الحَكَم” أو “العدال” شرف الشخص الذي قام بوضعه أو قبيلته، ويمثل تهربه من تنفيذ الحكم أو عجزه عنه، اخلالاً بهذا الشرف، وفي ذلك ما يعبر عن معركة رمزية من نوعٍ ما، تنتقل من العنف الجسدي إلى حيز معنوي رمزي، أي من حيز القدرة الجسدية أو الكفاءة الحربية مثلاً إلى حيز القدرة المادية، حيث شرف كل من الطرفين مرهون بصراع أو نزال غير عنيف. إن التحدي الذي تنطوي عليه لعبة العنف المدمر أو الحقيقي، تنطوي عليه عملية التحكيم، بشكل من الأشكال، مثلها مثل المرافعة القضائية، التي تنطوي هي الأخرى على عنف بديل، يتمثل في مقارعة بالحجج والأدلة بدلاً من السلاح. لكن الأمر فيما يتعلق بالعرف القبلي يتصل بقوة رمزيته، فالرهان الذي يعبر عنه بتسليم السلاح، إنما هو أداة العنف نفسها، ويرتبط بشرف صاحبه، وتسليمه، أي وضعه كحَكَم، إنما يمثل التزاماً ضمنياً بالتوقف عن العنف، وعدم الاشتباك، بل إنه بمثابة الهدنة المفتوحة حتى يصدر الحكم الذي غالباً ما يلغي فرص العنف برمتها.

وقبل أن يصدر المحكّم، أو المحكّمون، حكماً في قضيةٍ ما، يسبق ذلك “عملية طويلة تتضمن فحص الأدلة وإجراء حوار وعقد جلسات منفصلة (برزة) مع كل طرف من أطراف النزاع على حدة. ولكل طرف الحق في استئناف الحكم مرتين أمام شيوخ قبليّين آخرين قبل أن يصبح نهائياً وملزماً”[32]. وفي حالات كثيرة، وتحديداً في الاساءات المعنوية التي يحكم فيها بالهجر، وحين يكون ذلك متبادلاً بين الطرفين، يتم مقابلة كل حجة بما يناسبها من “الأبقار” وفقاً لحجم الحجة، وطبيعتها. وهكذا قد يحكم على الطرف الأول مثلاً 7 بقرات، ويحكم على الطرف الثاني 5 بقرات، كل منهما حسب ما بدر منه من خطأ أثناء النزاع، وحين يتم الاتفاق حول التنفيذ، يتم اسقاط كل بقرةٍ بما يقابلها، حتى يستقيم لدينا ذبيحة أخيرة تمثل الخطأ أو التجاوز الذي ارتكبه أحدهما بحق الآخر. وهي وحدها التي تساق للذبح. وأحياناً قد تساق جميعها، وتتم عملية الاسقاط في الطقوس، أو أثناء اللقاء الأخير الذي يمثل تنفيذ الحكم.

ويمثل المشهد أو اللقاء الذي تتم فيه عملية الذبح، أو الهَجَر، أحد صور العنف الرمزي، وربما أشدها تمثيلاً للعنف الرمزي الموازي للقتال، فبعد أن يصدر الحكم، ويتم الاتفاق حول التنفيذ وموعده، يذهب المهجِّر إلى ساحة المهجَّر، ويقود معه الذبائح المحكوم بها، ويتم ذلك في سياق اشهاري، عادةً ما تحضر فيه الشخصيات الأهم من كلا الطرفين، ويدعو فيها كل منهما أهله ورجاله الأقرب إليه، وبالتحديد من الفئات المقاتلة، وفي لقاء يغلب عليه الطابع الاستعراضي، يظهر فيه أفراد كل مجموعة مرتبين في صفوف ومحتزمين بزيهم القبلي، وعلى أكتافهم أسلحتهم، وتتقابل المجموعتان في ساحةٍ مختارةٍ، كما يتقابل جيشان في ساحة المعركة، بما في ذلك من الاستعراض والحشد والمهابة، لكأن ذلك تمثيل أو تجسيد للحرب أو للقتال، وربما لهذا يطلق على هذا الجمع (الـمَهْجَم) بما لهذه التسمية من علاقةٍ  ب(الهجوم) كأحد الألفاظ التي هي من صلب الحقل الدلالي للحرب.

وتتعزز رمزية المواجهة في الـمَهْجَم، بسجال شعري تبدو وظيفته أشبه ما تكون بالسجال التراجيدي في الملاحم اليونانية، ويتم ذلك عبر فنين شعريين شعبيين هما الزامل والحال، ينشد كل طرف زامل خاص به ويكون على الطرف الآخر الرد على الزامل، بما يماثله، والحال يلقيه شخص عادةً ما يكون شاعر القبيلة، ويعبر فيه عن فخره بقبيلته ويمدح القبيلة المستضيفة، ويعرج على الحدث نفسه أي القضية، وحين ينتهي من ذلك، يتقدم الجمع شاعر القبيلة المستضيفة ليلقي حال (الجواب) يفتخر فيه بقبيلته ويثني على القبيلة الضيف، ويعلق على القضية والحكم فيها. وأما إذا كان زامل فينظمه شاعر القبيلة لكن تنشده مجموعة من الناس في صفين كل صف يردد شطر من الزامل، ولحظة وصوله يرد شاعر القبيلة المستضيفة على زامل الضيف، وتنشده مجموعتان، وفيه تحية للضيف والمضيف، وتعليق على القضية التي اجتمعت لأجلها القبيلتان. وكثيراً ما تتضمن هذه الأشعار تباهياً ضمنياً لكنها لا تنسى الدعوة للصلح والجنوح إلى السلام.

ويتجلى في كل من الزامل والحال ما يمكن تسميته بالعنف البديل أو الصراع الرمزي، حيث كل شاعرٍ يقف ممثلاً لقبيلته، وحيث النزال الشعري بين شاعري القبيلتين يتضمن ما يشبه نزال قائدي الجيشين المتقابلين، إن هذا يشبه حقاً التراجيديا في الأساطير اليونانية، كما يفسرها رينيه جيرار حيث “السجال التراجيدي هو عبارة عن إبدال تنوب فيه الكلمة عن السيف الحديدي في المبارزة الفردية”[33]، وهو ما يتجلى في النزال الشعري الذي يتخلل المهجم، بما في ذلك من دلالةٍ على قراع الخصمين وتوازن القوى الذي تظهره مثل هذه الطقوس الرمزية.

ويتوج كل ذلك بفعل القتل الذي يعد نتيجة ملازمة للحرب التي تحاكيها هذه الطقوس، ولكن القتل هنا، أي في تقاليد الـمَهْجَم، يتحقق في الذبيحة الحيوانية، التي تكتمل بها لوحة المحاكاة للقتال، لكن في فضاءات رمزية، استبدلت فيها الصدامات والمواجهات بأفعال رمزية تحمل ضمنياً نفس المغزى، تماماً كما استبدل الدم الإنساني بدم حيواني بديل، في سلوكٍ هو الأكثر وضوحاً وصفاءً في التعبير عن وظيفة الذبيحة، ودلالتها، في تقييد العنف، وصرفه عن الجماعة، بل وتمثيل العنف التأسيسي كمحور أساسي في التأسيس للسلام والاستقرار داخل الجماعة.

وهكذا، فالهجر، ومع أنه من أكثر أشكال العرف القبلي بدائيةً، إلا أنه يؤدي وظيفته الخاصة في إحلال السلام وإزاحة العنف عن الجماعة، وهي وظيفة يعد فهمها ذا أهمية خاصة من ناحية إمكانية البناء عليها في إحلال القانون الحديث لتأدية الأغراض نفسها التي تؤديها منظومة العرف التقليدية، وهو التحدي الكبير أمام الدولة والنظام القضائي، في الانتقال بالمجتمع القبلي من العرف إلى الاحتكام للقانون الحديث.


هامش:

 

[1] رينيه جيرار: العنف والمقدس، ترجمة سميرة ريشا، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى، بيروت، يونيو 2009م، ص: 22.

[2] ينظر السابق، ص: 22.

[3] السابق، ص: 23.

[4] ينظر: السابق، ص: 22 وما بعدها، وص: 77 وما بعدها.

[5] اسمهان الجرو، الفكر الديني عند عرب جنوب شبه الجزيرة العربية (الألف الأول قبل الميلاد وحتى القرن الرابع الميلادي)، مجلة أبحاث اليرموك “سلسلة العلوم الإنسانية والاجتماعية”، المجلد 14، العدد 1، 1998م، ص: 234.

[6] د.سلطان عبدالله المعاني، إبراهيم صالح صدقة، الخطيئة والتكفير في النقوش السبئية، مجلة دراسات تاريخية، العددان 61-62 أيلول –كانون 1 – 1997م، ص: 57.

[7] صادق عثمان، مقال منشور على فيس بوك، تاريخ الدخول على الرابط: 10 مارس، 2021م، https://www.facebook.com/104333894741551/posts/152422793265994/

[8] رينيه جيرار: العنف والمقدس، مرجع سابق، ص: 446.

[9] سبق أن أشار إلى هذه النقطة (Walter Dostal: Some remarks on the ritual significance of the

bull in pre-Islamic South Arabia، )

[10] مطهر علي الإرياني: المعجم اليمني _أ_ في اللغة والتراث، حول مفردات خاصة من اللهجات اليمنية، المطبعة العلمية دمشق، الطبعة الاولى، 1996م، ص: 935، 936.

[11] السابق، ص: 935، 936.

[12] السابق، ص: 935، 936.

[13] محمد بن علي صياد، وثيقة القواعد المرجعية العرفية لكافة القبائل اليمنية، “بكيلي، وحاشدي، ومذحجي، وقضاعي، وهميسعي”، مكتبة خالد بن الوليد، صنعاء، ط 1/ 2014م”، ص: 52.

[14] مطهر علي الإرياني، المعجم اليمني، مرجع سابق، ص: 935، 936.

[15] رينيه جيرار: العنف والمقدس، مرجع سابق، ص: 23.

[16] السابق، ص: 154.

[17] السابق، ص: 39.

[18] محمد بن علي صياد، وثيقة القواعد المرجعية العرفية لكافة القبائل اليمنية، مرجع سابق، ص: 52.

[19] رينيه جيرار: العنف والمقدس، مرجع سابق، ص: 28.

[20] مطهر علي الإرياني: المعجم اليمني، مرجع سابق، ص: 934، 935.

[21] يعرفها الإرياني بقوله (والتَّهْجير: في العادات الاجتماعية هو: منح فئة أو أسرة في محيطها خصوصيات معينة، مع اتصافهم بصفات معينة مما يجعلهم (هِجْرة) مُهَجَّرين، وتجعل بلدتهم (هجرة) مهجَّرة.

فأما ما يمنحون من الخصوصيات فأهمها: الإعفاء من العَشر ومن الحَشْر، فلا يشاركون في غرم من الأغرام، ولا في حرب ولا في سخرة، وقد تعفيهم الدولة من الجباية بجعل زكاتهم إليهم يجرونها من تحت أيديهم، ولا يحشرون أو يحشدون مع من يحشد من أبناء منطقتهم لعمل أو لحرب، إلا من تطوع منهم. كما يمنحون احتراماً في المحاضر الاجتماعية تقديراً وتكريماً.

وأما ما يتسمون به من صفات ليكونوا هجْرَة فهي التفقه في الدين، ومعرفة الأعراف والتقاليد الاجتماعية ليكونوا مرجعاً للناس في أمور دينهم وفي نزاعاتهم وأحوالهم الشخصية، مع التقيد بالسلوك الحميد، وببعض المظاهرة في الملبس ونحوه، ويكون منهم فقهاء، وعلماء، ويقومون في هجرتهم، أي بلدتهم بالتدريس وتعليم الطلاب من المقيمين والوافدين.

وأما كون بلدتهم أو ديارهم مُهَجّرة، وتسمى (هِجْرَة) فإن ذلك يعني ألا تغزى ولا تتعرض لمعرة جيش أو قوم، وألا يسفك فيها دم أخذاً لثأر بله عدواناً.

يقال: هجرت القبيلة أو العرة أو المنطقة بني فلان تُهَجِّرهم تهجيراً فهم (هِجْرة) مُهجّرون، وبلدهم أو قريتهم أو ديارهم (هِجْرة) مهجرة). مطهر علي الإرياني: المعجم اليمني، مرجع سابق، ص: 934، 935.

[22] ينظر، عبدالناصر المودع، العرف الحربي القبلي، دراسة وصفية/ تحليلية، برنامج دعم الحوار الوطني في اليمن، 2013م، ص: 30. ندوى الدوسري، الحوكمة القبلية والاستقرار في اليمن، مرجع سابق، ص: 8، 9، 11. وكذلك مطهر علي الإرياني، المعجم اليمني، مرجع سابق، ص: 934، 935.

[23] مطهر علي الإرياني: المعجم اليمني، مرجع سابق، ص: 934، 935.

[24] د. نورة بنت عبدالله بن علي النعيم: التشريعات في جنوب غرب الجزيرة العربية، حتى نهاية دولة حمير، مطبوعة الملك فهد الوطنية، الرياض، المملكة العربية السعودية، 1420ه/ 2000م، ص: 85.

[25] يوسف شُلحُد، بنى المقدس عند العرب.. قبل الإسلام وبعده، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت لبنان، الطبعة الأولى، 1996م، ص: 155.

[26] هناك قصة كانت متداولة في مسقط رأس الكاتب (عرام وهي إحدى قرى قبيلة عنس  بذمار)، تقول القصة إن أحد أبناء القبائل قام بذبح طفل قدمه والده إرضاء له، وحدث هذا بعد أن كان هذا الطفل قد ذبح ماشية الرجل التي اعتدت على حقل والده، فما كان من الأب إلا أن أخذه وذهب به إلى مالك الماشية ورماه بين قدميه رغبةً منه في ترضية الرجل وإيقاف غضبه جراء ما حدث لماشيته، ولكن ما حدث لم يكن متوقعاً، فقد قام مالك الماشية بذبح الطفل، ما دفع والد الطفل إلى الاقتصاص لابنه بقتل مالك الماشية قاتل ابنه، أدى ذلك إلى نشوب سلسلة ثأر دامية بين عشيرتي الطرفين.

ولا ندري مدى كون هذه القصة حقيقية من عدمه، ولكن حتى وإن لم تكن كذلك، أي إذا كانت حكاية شعبية، فإنها تظل ذات دلالة فيما يتعلق بالإبدال الذبائحي.

[27] هزاع محمد عبدالله الحمادي، القرابين والنذور في الديانة اليمنية القديمة، أطروحة دكتوراه، جمهورية مصر، جامعة القاهرة، كلية الآثار، 2006م، ص: 63.

[28] رينيه جيرار: العنف والمقدس، مرجع سابق، ص: 21.

[29] منير عبدالجليل العريقي: الفن المعماري والفكر الديني في اليمن القديم، مرجع سابق، ص: 280.

[30] رينيه جيرار: العنف والمقدس، مرجع سابق، ص: 450.

[31] ينظر في هذا أيضاً ندوى الدوسري، الحوكمة القبلية والاستقرار في اليمن، مرجع سابق، ص: 9، 10.

[32] السابق، ص: 10.

[33] رينيه جيرار: العنف والمقدس، مرجع سابق، ص: 86.

by أحمد العرامي

أحمد الطرس العرامي، مؤسس مشارك والمدير التنفيذي لمركز العربية السعيدة للدراسات، وهو كاتب وباحث، تركز أبحاثه على التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية في اليمن، وعلاقة جماعات الإسلام السياسي بالقبيلة، وهو مؤلف “ديانة اليمن السرية.. ظاهرة الحكيم الفلاح في الموروث الشعبي” الصادر عن مؤسسة أروقة للطباعة والنشر، القاهرة 2019م. وله العديد من الأبحاث حول الفولكلور اليمني، وعلاقته بالتحولات التاريخية والثقافية، ومنتظم حالياً في برنامج الماجستير في المعهد العالي للفنون الشعبية، أكاديمية الفنون- القاهرة.

مقر المركز
تابعونا على وسائل التواصل الاجتماعي

الاشتراك في النشرة البريدية

    جميع الحقوق محفوظة ©  لدى مركز العربية السعيدة للدراسات 2021

    Open chat