تحليلاتالمنحى التاريخي العميق للصراع بين الحوثيين والسعودية

4 أبريل، 2021by محمد العلائي0

لا يمكن استشراف المسار المستقبلي لهذه العلاقة من دون ملاحظة كيف أن الحوثيين، قد رفعوا العداء للسعودية إلى مصاف القيمة التأسيسية لوجودهم كجماعة تضطلع بمهمة إحيائية زيدية، وثانيًا لوجودهم كجماعة تحاول أن تكون دولة

 

 

محمد العلائي

واحد من أكثر الجوانب ارتباطًا بالمصير الكُلِّي للصراع في اليمن، يتمثَّل في فهم البُنيَة التاريخية والنفسية للعلاقة بين الحوثيين -الامتداد الحديث للزيدية السياسية (الإمامة) في أعالي اليمن- من جهة، والمملكة العربية السعودية من جهة أخرى. ففي الحياة السياسية اليمنية الحديثة، ثمة نمط من التفكير يميز بين الحكام والفاعلين اليمنيين من خلال رصد الكيفية التي يستجيبون ويتفاعلون بها مع المملكة العربية السعودية، هذه الحقيقة الجيوسياسية العملاقة بتأثيراتها المتعددة على البلدان المحيطة بها، لاسيما اليمن، البلد الكبير والمعقد في جنوب شبه الجزيرة العربية.

ولا يمكن استشراف المسار المستقبلي لهذه العلاقة من دون ملاحظة كيف أن الحوثيين، منذ 2015 على الأقل، قد رفعوا العداء للسعودية إلى مصاف القيمة التأسيسية لوجودهم السياسي والعسكري في شمال اليمن، قيمة تأسيسية أولًا لوجودهم كجماعة تضطلع بمهمة إحيائية زيدية، وثانيًا لوجودهم كجماعة تحاول أن تكون دولة.

هذا التصعيد الجذري للموقف من السعودية، سيظل، في أحسن الأحوال، حجر عثرة أمام أي جهد دبلوماسي يسعى لترتيب نهاية معقولة للحرب المكلفة في اليمن.

صحيح أن الإطار المعلن في شعار الحوثيين الأساسي، الذي استلهموا فكرته من الثورة الإسلامية الإيرانية، يضع العداء لأمريكا وإسرائيل في منزلة القيمة التأسيسية للحركة، لكن في الواقع ما كان من الممكن تحويل هذا العداء إلى ممارسة حيَّة انطلاقًا من اليمن، إلّا عبر النظر إلى السعودية كرمز مشترَك لكلٍّ من أمريكا وإسرائيل، لهذا فالمملكة أصبحت في المنظومة العقائدية للحوثيين تجسِّدهما معًا.

والعداء للسعودية، بوصفه قيمة تأسيسية بالنسبة للحوثيين، لايزال يشبه، من بعض النواحي، الطريقة التي اتخذ بها حزب الله اللبناني من العداء لإسرائيل قيمة يرتكز عليها وجوده السياسي والعسكري.

لكن هذا لا يعني أن المصائر ستكون هي نفسها بالنسبة للحالتين؛ حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن. فبالنظر إلى الاختلافات الحاسمة بين اليمن ولبنان، أو حتى بين السعودية وإسرائيل، فإن خط التطور الخاص بالحركة الحوثية لن يكون بالضرورة مطابقًا، في نتائجه واحتمالاته، لخط التطور الخاص بحزب الله اللبناني.

وإذا كان العداء للسعودية يؤدِّي دوره الآن بفاعلية كمبدأ مؤسِّس لجماعة تتموضع عسكريًا وطائفيًا على جزء من اليمن، فإن كفاءة هذا المبدأ لن تصل أبدًا إلى حد إمكانية الاستناد عليه كقاعدة تأسيسية دائمة لدولة معترف بها تغطي كامل الجغرافيا اليمنية أو حتّى نصفها.

في نوفمبر 2009، بدأ أول صدام عسكري للحوثيين مع المملكة العربية السعودية. في ذلك الوقت، كانت الحكومة اليمنية المركزية تنفِّذ حملتها العسكرية السادسة ضد حركة التمرّد الحوثية الذي انطلقت شرارته الأولى من صعدة عام 2004.

كانت الدلائل، منذ البداية، تشير إلى وجود ارتباط من نوعٍ ما، بين الحوثيين والجمهورية الإسلامية الإيرانية بتوجهاتها الثورية الراديكالية وطموحاتها الإمبراطورية.

من هذا المنطلق، وجدَت السعودية نفسها، منذ العام 2004، معنيّة برصد وتقييم ما كان يحدث في الأراضي اليمنية المتاخمة لحدودها الجنوبية.

بمرور الوقت، أصبح القضاء على التمرد الحوثي في محافظة صعدة اليمنية، يشكِّل مصلحة مشتركة للحكومة المركزية في صنعاء والحكومة السعودية على حدٍّ سواء.

وكان قد أشيع، في تلك الفترة، أن نظام صنعاء إنما يحارب في صعدة لخدمة أجندة سعودية، وطمعًا في الأموال السعودية. وكانت مثل هذه الإشاعات تتمتّع بقوّة رواج هائلة في الصحافة المحلية اليمنية المعارضة لسلطة الرئيس علي عبدالله صالح، الأمر الذي أسهم في التشويش على شرعية وقانونية الحملات العسكرية ضد التمرد المسلح في صعدة. ونتيجةً لذلك، خسر الخطاب الحكومي المصاحب للحرب جزءًا كبيرًا من مصداقيته ومفعوله التعبوي لصالح الحوثيين.

من جانبهم، لم يرسل الحوثيون أيّة إشارات ودِّية تجاه المملكة العربية السعودية. وكانت شبهة ارتباطهم الأيديولوجي واللوجستي بالنظام الإيراني سببًا كافيًا لدفعهم إلى موقع العدو بالنسبة للسعودية.

ولم يكن أمام الرياض إلّا أن تقرأ، في كل خطوة يُقدِم عليها الحوثيون، رسالة تهديد وراءها إيران الإسلامية. في مناخ كهذا، وبينما كانت الجولة السادسة من الحرب بين القوات الحكومية اليمنية ومسلحي الحوثي في صعدة، متواصلة منذ أغسطس 2009، قرَّر الحوثيون، في نوفمبر من العام نفسه، التوغّل داخل الأراضي السعودية القريبة وقتل عنصرين من حرس الحدود، وذلك بهدف الضغط على الرياض -كما قيل حينها- لوقف دعمها لنظام الرئيس علي عبدالله صالح الذي كانت الدعاية الحوثية تتهمه بالتبعية للسعودية وأمريكا وإسرائيل.

أمّا في التبرير الذي قدموه لوسائل الإعلام، فقد أفاد الحوثيون أن دخولهم إلى الأراضي السعودية لم يكن ليحدث لو لم يستخدمها الجيش اليمني منطلَقًا في هجومه عليهم.

ردًّا على خطوة الحوثيين الجريئة، تحرَّك الجيش السعودي مباشرةً، بالتنسيق مع الحكومة اليمنية والجيش اليمني، لتنفيذ عملية عسكرية ثنائية، بمشاركة الطيران الحربي للدولتين، جرى خلالها استهداف مواقع الحوثيين في صعدة والمناطق السعودية التي كانوا قد تسللوا إليها.

كانت الضربات الجوية موجعة للحوثيين، غير أن المعارك البرية وضعت الجيش السعودي أمام اختبار صعب. والعملية لم تؤدِّ إلى استئصال الحوثيين كما كان مخطَّطًا لها، بقدر ما منحَتهم قصة جديدة صالحة للتوظيف الأسطوري في سرديتهم الخاصة التي تفسِّر الوقائع بمنطق غيبي لاهوتي: لقد نجونا بمعجزة من حرب كبرى واجهنا فيها جيشين ودولتين!

بعد حوالي 5 سنوات من تلك المواجهة القصيرة، وبالتحديد في 21 سبتمبر 2014، استيقظت الرياض على خبر استيلاء الحوثيين على العاصمة اليمنية صنعاء. وعلى الفور، صرَّحَ مسؤول إيراني أن بلاده وضعتْ يدها على العاصمة العربية الرابعة بعد دمشق وبغداد وبيروت. وأعلن الحوثيون، في 13 مارس 2015، عن إجراء ما سموها “المناورة العسكرية” في المناطق الحدودية مع السعودية. كانت تلك رسالة واضحة لاستفزاز المملكة من موقعهم الجديد كقوة انقلابية مهيمنة في عاصمة اليمن.

في 26 مارس 2015، أطلقت السعودية، ومعها تحالف ضم عددًا من الدول العربية، تدخلًا عسكريًا في اليمن لإحباط التقدم الميداني الذي كان يحرزه الحوثيون، حلفاء إيران، باتجاه جنوب اليمن، ولإعادة رئيس الجمهورية المعترف به دوليًا، عبد ربه منصور هادي، إلى السلطة.

وقد رفض الحوثيون القبول بالمبرِّرات التي ساقتها السعودية لتدخلها العسكري الذي اعتبروه عدوانا خارجيًا على اليمن. وفي خطابهم، منذ سيطرتهم على صنعاء، لم يعد الحوثيون يتظلَّمون كجماعة، بل يتظلَّمون باسم اليمن الذي يقولون إنه ضحية للهيمنة السعودية على حساب سيادته وكرامته التي يقولون أيضاً إن حكَّام اليمن قد فرَّطوا فيها طوال العقود الماضية. وتدمج الرواية الحوثية للصراع مع السعودية بين ما هو ديني مذهبي (زيدي) وما هو وطني، وتصبّهما معًا في قالب واحد. فهي، على سبيل المثال، تستحضر أنشطة المراكز والهيئات السلفية المموَّلة سعوديًا، والتي كانت منتشرة في عموم اليمن، وتصوِّرها كأعمال عدائية تستهدف المذهب الزيدي في معقله التاريخي، وهي بالتالي أعمال عدائية ضد اليمن.

والحقيقة أن النشاط السلفي لم يزدهر في اليمن بشكل عام، وفي “المنطقة الزيدية” بشكل خاص، إلا بعد سنوات طويلة من سقوط الركيزة السياسية للزيدية ممثلة في الإمامة، وبهذا خسر المذهب الزيدي، في ظل النظام الجمهوري الجديد، امتيازه الخاص كمذهب للدولة وقاعدة لشرعيتها، لكنه احتفظ بحقه في البقاء جنبًا إلى جنب مع بقية المذاهب الإسلامية المنتشرة في البلاد.

ومن المعروف أن النشاط السلفي (الوهابي) لم يكن أبدًا هو القوة المعنوية والروحية الدافعة في العمل الثوري الذي أطاح بالإمامة الزيدية عام 1962. لقد كان الثوار الجمهوريون يعتنقون خليطًا فريدًا من أفكار وقناعات قومية تحررية، ناصرية وبعثية وماركسية، إضافة إلى أنماط دينية إصلاحية.

وإذا جاز لنا النظر إلى الحوثيين، جزئيًا على الأقل، باعتبارهم ورثة لتقاليد الإمامة الزيدية، فالتناقض -تاريخيًا- لم يكن وجوديًا وجذريًا بين الدولة السعودية “الوهابية”، منذ نشأتها لأول مرة في القرن الثامن عشر، ودولة الإمامة الزيدية التي كانت قابعة، أغلب الوقت، في مرتفعات اليمن منذ أواخر القرن التاسع الميلادي إلى العام 1962.

ليس هذا فحسب، بل إن التاريخ الحديث يسجِّل أن السعودية، في ستينيات القرن الماضي، تحركت بكل طاقتها في محاولة لإنقاذ آخر سلالة زيدية حاكمة ضد ثورة تحررية أطاحت بعرشها في صنعاء، وأعلنت النظام الجمهوري. وينحدر الكثير من أفراد الصف القيادي في جماعة الحوثي، من عائلات كانت تحظى برعاية مالية سعودية نظير مشاركتها في الثورة المضادة الخائبة لاستعادة عرش الزيدية.

أمّا السلالة الحاكمة التي طلبت النجدة من السعودية، عام 1962، فهي الامتداد المباشر للدولة الإمامية الزيدية التي تشكَّلتْ في شمال اليمن على إثر خروج الأتراك في 1918. ولم تكن هناك علاقة نفور جذرية بين تلك الدولة الزيدية والدولة السعودية الثالثة التي كانت لاتزال حينها في أطوارها التأسيسة والتوسعية. والحرب التي اندلعت بين الجانبين، عام 1934، كان موضوعها نوعًا من التنافس “الجيوسياسي” بين قائدين تقليديين؛ الإمام يحيى حميد الدين والملك عبدالعزيز آل سعود، عندما كان كل واحد منهما يحاول أن يمد سلطانه على عسير ونجران وجيزان، وهي مناطق واسعة أصبحت، منذ تلك الحقبة، ضمن دولة آل سعود، لكنها ظلت على الدوام موضوعًا قابلًا للإثارة من جانب الزعماء اليمنيين، بين وقت وآخر، بدعوى الحق التاريخي لليمن في تلك المناطق.

وعلى الرغم من أن الحرب لم تجرِ بينهما تحت شعارات أيديولوجية عالمية أو طائفية خالصة، فإن من غير المستبعد لجوء أحد الطرفين أو كليهما لاستغلال المشاعر الدينية الطائفية في الصراع. لكن العنصر الطائفي لم يكن أساسيًا في تلك الأحداث، وإلّا لما استعادتها كتب التاريخ بوصفها حربًا يمنية سعودية، وليس بوصفها حربًا “سنِّيّة” “شيعية”.

عسكريًا، حُسمتْ حرب 1934 لصالح ابن سعود، لكن كان هناك مسار دبلوماسي انتهى بالتوقيع على ما يعرف بمعاهدة الطائف بين المملكة المتوكلية اليمنية من جانب، والمملكة العربية السعودية من جانب آخر. وانتظمت العلاقة بين المملكتين المتجاورتين، بعد ذلك، من دون أن يكون للاختلاف المذهبي بين السلطة الحاكمة في صنعاء، وهي سلطة زيدية (شيعية، بلغة هذه الحقبة)، والسلطة الحاكمة في الرياض، وهي سلطة وهابية (سنّيّة)، دور معتبر في تقرير المواقف والسياسات.

في صراعه مع الملك عبدالعزيز آل سعود، كان الإمام يحيى في وضع قانوني أقرب لكيان دولة معترَف بها لغياب البديل، خلافًا للحوثيين الذين لا يتمتعون بوضع قانوني مشابه، فضلًا عن أن السعودية هذه المرة دخلت الحرب بدعوة من الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وهو ما ينزع عن تدخلها الصفة القانونية للصراع بين دولتين.

ورغم أن الإمام يحيى حميد الدين كان قد اتخذ لنفسه لقب “أمير المؤمنين”، إلّا أن وثائق تلك الفترة تخلو من كل ما يدل على أن الرجل كان يعد أنصاره بفتح مكة كهدف من أهداف صراعه مع ابن سعود، كما هو حال الحوثيين في السنوات الماضية.

بينما يخبرنا التاريخ أن التناقض بين دولة الإمامة الزيدية والحكم التركي العثماني، كان ما يلبث أن يصبح جذريًا ووجوديًا. ففي المرَّتين اللتين قَدِمَ فيهما العثمانيون إلى اليمن، كانت محاولاتهم العسكرية تنتهي بهم إلى السيطرة على صنعاء وتنصيب والٍ تركيّ يحكم البلاد باسم السلطان أو الخليفة في إسطنبول. وفي المرَّتين، كانت الإمامة الزيدية تدخل في حالة كمون لفترة، ثم تبدأ في التململ والانبعاث كأداة تنظيمية للثورة والتمرّد على الأتراك.

خلال ما تسمَّى “الدولة السعودية الأولى”، أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، وصل النفوذ السعودي الوهابي إلى مواقع متقدمة بالقرب من صنعاء، لكنه سرعان ما أخذ في الانحسار، ليس فقط بسبب الالتزام الذي قدَّمه إمام صنعاء للوهابيين بهدم القبور والأضرحة التي كان يعتبرها هؤلاء مظاهر شِرك وانحراف عن العقيدة الصحيحة، بل كان هناك سبب آخر أسهم في إنقاذ إمام صنعاء: الحملة المصرية/ العثمانية بقيادة محمد علي باشا ضد الوهابيين في شبه الجزيرة العربية، والتي بدأت عام 1811.

وعلى الرغم من أن المصادر التاريخية تشير إلى استنجاد الإمام الزيدي حينها بمحمد علي باشا، إلا أن إنقاذ سلطة الإمام بالتأكيد لم يكن هو الهدف من تلك الحملة التي تفرَّعتْ إلى حملات لفرض النفوذ على سواحل وموانئ اليمن.

(في تلك الفترة كان الإمام الزيدي في اليمن هو المتوكل على الله أحمد بن المنصور علي بن عباس (1756 – 1816) الذي تولى الإمامة من 1809 إلى 1816، ثم انتقلت الإمامة الزيدية من بعده إلى نجله المهدي عبدالله بن المتوكل على الله أحمد بن المنصور علي (ولد في 1793 وتوفي في 28 نوفمبر 1835)، وقد بقي إمامًا من 1816 إلى 1835).

نجحت الحملة المصرية العثمانية، بقيادة كُلٍّ من محمد علي باشا وإبراهيم باشا، في دحر الوهابيين/ السعوديين والدخول إلى الدرعية، عاصمة دولتهم الأولى، عام 1818. وبعد إلقاء القبض على عبدالله بن سعود، تم اقتياده إلى إسطنبول حيث جرت محاكمته وإعدامه، ثم أمرت السلطات العثمانية بتثبيت رأسه في فوهة مدفع وإطلاقه إلى نهر البسبور تقريبًا.

وبهذه الطريقة نجا الإمام الزيدي في صنعاء آنذاك من الخطر السعودي الوهابي الأول، الذي، كما ذكرنا، كانت طلائعه تتحرّك في مناطق قريبة أو متاخمة لصنعاء.

ولقد أرسل الإمام المهدي عبدالله مندوبيه لاستلام عدد من المناطق اليمنية التي حرَّرتها الجيوش المصرية العثمانية من الوهابيين، في خطوة تشبه جزئيًا عملية استلام الإمام يحيى حميد الدين لمنطقة شمال اليمن من آخر والٍ عثماني، وذلك بعد قرن واحد من عملية الاستلام الأول.

وفي ستينيات القرن العشرين، فشلت السعودية الوهابية في إنقاذ عرش الإمامة الزيدية من خطر المد المصري الناصري الذي تحوَّل إلى حملة عسكرية في شمال اليمن لمساندة الثورة، شارك فيها آلاف الجنود المصريين.

وبينما نجح التدخل العسكري المصري في تثبيت النظام الجمهوري اليمني المتأثر سياسيًا وأيديولوجيًا بمركز القومية العربية في القاهرة بقيادة جمال عبدالناصر، فقد أخفقت السعودية (الوهابية) في نجدة الإمام (الزيدي) المخلوع محمد البدر وإعادته إلى عرشه، تمامًا مثلما أخفقتْ مطلع القرن التاسع عشر في الإطاحة بالإمام الزيدي الذي استنجد بوالي مصر محمد علي باشا، كما أشرنا قبل قليل.

وبالقراءة في تلك الحوادث، والمقارنة بينها بأثر رجعي، يمكن أن نقول -وعلى نحو لا يخلو بالطبع من التبسيط والاختزال- بأن لدينا نجاحين مصريَّين في اليمن وإخفاقين سعوديَّين: في القرن التاسع عشر، نجح المصريون العثمانيون في إنقاذ إمام زيدي، ولو بشكل عَرَضِي، ونجح المصريون في القرن العشرين في الإطاحة بإمام زيدي آخر. بالمقابل، في القرن التاسع عشر، فشل السعوديون في الإطاحة بإمام زيدي، وفي القرن العشرين فشل السعوديون في إنقاذ إمام زيدي آخر. تجدر الإشارة إلى أن معيار النجاح والفشل هنا يتمثّل في السيطرة على صنعاء وإسقاط حكومة متمركزة فيها، أو الحيلولة دون سقوط سلطة قائمة في صنعاء.

هذا ما يقوله التاريخ، بغض النظر إن كان من المناسب وضع التدخل السعودي الراهن ضد الحوثيين، الحاملين لمشعل الإمامة الزيدية، في نفس المنحى الذي أفضى من قبل إلى إخفاقين، وقد استثنينا إخفاقًا آخر أقل شهرة يتعلق بالنجدة التي حاولت السعودية تقديمها للحركة الانفصالية في جنوب اليمن عام 1994.

في الحرب الجارية مع السعودية، منذ 5 سنوات، يعتمد الحوثي على عقيدة قتالية مركَّبة من شقين:

– مذهبي/ طائفي (ينبع من أرضية طائفية شيعية مرتبطة بمحور إيران).

– القتال باسم جانب محدد من الوطنية اليمنية، الجانب المتعلق برفض تدخل الخارج في الشؤون اليمنية.

بصياغة أخرى، يعبئ الحوثي ضد السعودية حافزين وشعورين رئيسيين:

1) حافزًا وطنيًا يمنيًا عامًا يخاطب الحميَّة القومية ضد “الأجنبي الدخيل”.

2) حافزًا خاصًا، طائفيًا شيعيًا، ينتمي الحوثي من خلاله إلى سردية نضالية عالمية تتولّى فيها الزعامة إيران الإسلامية.

لكن خلف موقف الحوثيين المتشدِّد من السعودية، يوجد حافز ثالث غير مرئي، هذا الحافز يمكن أن نسمِّيه حافزًا “سُلاليًا”، يقوم على فكرة انتساب الطبقة القيادية في جماعة الحوثي إلى آل بيت النبي محمد، وهو ما يعني الاعتقاد ليس فقط بأحقيتهم في حكم اليمن، بل منازعة آل سعود الحق في الإشراف والسيادة على المقدسات الإسلامية في مكة والمدينة.

والفرق ليس واضحًا بما يكفي بين وجهين للحوثيين:

الوجه الأول هو الذي يَظهَرون فيه باعتبارهم جماعة تحاول أن تجعل من نفسها وريثًا سياسيًا في موقع الدولة الوطنية المركزية، مستفيدين من الأفضلية التي أعطتهم إياها واقعة سيطرتهم على العاصمة.

أما الوجه الثاني، فيَظهَرون فيه فقط كتنظيم عقائدي وعسكري ذي ملمح طائفي بالنسبة إلى التركيبة المذهبية التعددية لليمن.

وكان من المفترض أن يكون الحوثيون، في وجههم الأول، أكثر قدرة على صياغة مقاربة واقعية بخصوص العلاقة المستقبلية مع السعودية، تضع في الحسبان العواقب السيئة الناجمة عن حالة العداء الجذري مع الجارة الكبرى التي تستمد معظم نفوذها في العالم من ثروتها النفطية الهائلة.

بيد أن الصراع مع السعودية، بالنسبة للحوثيين، لايزال حتى الآن يكتسب أهمية تكوينية داخلية لا غنى عنها، فهو ركيزة أصلية في الهوية السياسية للجماعة، بدونها لن تتعرف على نفسها، مع إدراكهم أنه طالما كانت السعودية، بشكلها ونظامها القائم الآن، وبامتدادها الجغرافي، وثقلها الإقليمي والدولي، باقية كواقعة حيّة، فمن غير الممكن منع التطورات السياسية في اليمن من التأثّر بهذه الحقيقة الضاغطة.

ورغم أن اليمن قد شهد الكثير من التطورات والانتقالات المصيرية، بمعزل عن إرادة الرياض وضدًّا على خياراتها، مثل الثورتين الجمهوريتين في شمال وجنوب اليمن في الستينيات، أو اتفاق الوحدة اليمنية عام 1990، إلّا أن السعودية تمكنت في الأخير من النفاذ إلى الهياكل والتشكيلات الناشئة عن تلك التطورات وإخضاعها لدرجة من الاحتواء تتوقف معها عن أن تقوض استراتيجية المملكة حيال اليمن.

ولا سبيل إلى تخيُّل نتائج الصراع في اليمن كما لو أن السعودية لا وجود لها في شمال شبه الجزيرة العربية. أما لو أطلقنا لخيالنا العنان، وافترضنا أن السعودية، في لحظة ما، قد يطالها التفكك الذي أصاب الدولة اليمنية، كما يأمل خصوم المملكة، فلا شك أن التوقعات والسيناريوهات ستتغير بالكامل، ليس في الشأن اليمني فحسب، بل في شؤون المنطقة بأسرها.

 

محمد العلائي

محمد العلائي، باحث في مركز العربية السعيدة للدراسات، تركز أبحاثه على التحولات السياسية وأبعادها الفكرية وخلفياتها التاريخية، وهو مؤلف كتاب “الجمهورية الفانية.. مذكرة حول الانهيار والحرب في اليمن” الصادر هذا العام 2021م، عن دار الفارابي-بيروت.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

مقر المركز
تابعونا على وسائل التواصل الاجتماعي

الاشتراك في النشرة البريدية

    جميع الحقوق محفوظة ©  لدى مركز العربية السعيدة للدراسات 2021

    Open chat