دراساتتجربة الزامل الحوثي

29 أبريل، 2021by إميلي سومنر1

في هذا المقال يتم تحليل الزامل كممارسة قومية؛ كشكل ثقافي يناسب المستمع؛ وكقوة عاطفية. من خلال هذه العدسات الثلاث، تقدّم رؤى حول كيفية تفاعل الزامل مع الهابيتوس لتحريك عدد لا يحصى من الممارسات المتجسدة في ردود الفعل المتنوعة على الزامل.

إميلي سومنر

ترجمة: محمد مشهور

This article is available in English


في ليلة الخامس والعشرين من شهر  مارس / آذار عام 2015، اتصلتُ – مذعورة – بصديقيّ أنيس ومُنى (كلاهما اسمان مستعاران). كنت أتحرك ذهاباً وإياباً في الردهة الصغيرة لشقتي في بوسطن وأنا استمع إلى رنين الهاتف مرارًا وتكرارًا، على أمل سماع صوتيهما على الطرف الآخر من الخط. بعد أن ظل الهاتف يرن لفترة طويلة جداً، أجاب أنيس أخيرًا. طمأنني أنه مع منى وأولادهما في أمان. كانا يفكران في مغادرة صنعاء إلى قريتهما خلال الأيام المقبلة، لكنهما كانا ينتظران ويتتبعان ما الذي يمكن أن يحدث.

كان ذلك في الليلة التي بدأت فيها عملية عاصفة الحزم بقيادة المملكة العربية السعودية، وهي حملة عسكرية جوية ضد الجماعة اليمنية المعروفة باسم الحوثيين”. انتهت هذه العملية رسميًا في أواخر شهر أبريل / نيسان 2015، ومع ذلك استمر القصف على صنعاء وغيرها من المواقع الأخرى بلا هوادة. لا تزال منى وأنيس يعيشان في صنعاء، وقد اعتادا على أصوات الانفجارات. كاعتيادهما على سماع شيء آخر، وهو: الزامل.

الزامل هو نوع من الشعر الشعبي المغنّى أو الشِعر الذي يتم إنشاده والذي يتم تأليفه في شبه الجزيرة العربية، وخاصة اليمن (الحارثي 2004: 61). كما يتواجد الزامل خارج اليمن في المملكة العربية السعودية (جيزان ونجران) والجزء الغربي من عمان (ظفار). وفقًا للأسطورة، مارس اليمنيون الزامل لأول مرة في القرن الثالث عندما صادفت مجموعة من رجال القبائل الجن وهم يهتفون فيما بينهم. دفع صوت الشعر رجال القبائل للخروج من الكهف، حيث كانوا يختبئون من المحاربين الرومان، ولكي يستأنفوا قتالهم، ألّف اليمنيون الزوامل منذ ذلك الحين (البردّوني 1998: 136-137). في هذه الحكاية يعتبر سماع الزامل مساعدا على طرد الخوف ومثيرًا للشجاعة في قلوب المقاتلين؛ حيث يعتبر الزامل هنا شعر حماسة، وهو غرض من أغراض الشعر العربي الذي ظهر في العصر الجاهلي. وغالبا ما كان شعر الحماسة فاعلًا في الحروب، ومثيرًا للانفعال.

يجادل عالم الأنثروبولوجيا ستيفين كاتونِ بأن الزامل خطاب إقناعي. يحلل كاتون الصراع القبَلي في خولان الطيال، وهي منطقة تقع في المرتفعات اليمنية شرق صنعاء وتنتمي إلى قبائل بكيل. في النزاع، يقدّم كل طرف زوامله الخاصة للتعبير عن وجهة نظره، ويتبع ذلك سجال شعري. الشعر وسيلة للتفاوض بين الجانبين. وفقًا لكاتون، فإن الأساس الأول والأكثر أهمية لأي إقناع هو بناء نوع من الذات من خلال اللغة. الزامل هو فعل الكلام حيث تقوم الكيانات الاجتماعية بفهرسة الهويات المحددة من أجل وضع أولئك المتورطين في الصراع في عالم اجتماعي مشترك يمكن فيه تصور الاتفاق. يوفر كاتون أربع طرق يتم من خلالها الإقناع: بناء “الشخصية المقنعة (الذات) للمتكلم”، “محاولات المتحدث لإثارة عاطفة جمهوره، مما يدفعه إلى التصرف بطريقة معينة”، “الحُجّة”، و”الشكل الشعري” (1990: 159-60). ومع ذلك، يرتكز تحليله على النقطتين الأولى والرابعة. يوضح كاتون كيف يبني رجال القبائل ذواتهم الرفيعة من خلال اللغة ومهارة الشكل الشعري، وكلاهما يمنح الزامل قوة الإقناع (1990: 127-79).

يؤلّف الحوثيون زواملهم الخاصة بغزارة وقد سافرت أشعارهم داخل حدود اليمن وخارجها (حَسن 2018). يعتمد الزامل الحوثي على الزامل الشعبي في أساسياته ولكن لا يطابقه. منذ 2015 بدأت تظهر بعض المقالات الصحافية والسياسية التي تتحدث عن ظاهرة الزامل الحوثي. من ضمن النقاط التي تطرق إليها المحللون أن الزامل الحوثي سلاح نفسي وسياسي واجتماعي في الحرب (حسن;2018 ناصر 2016). هانا بورتر تكتب عن تطور وسائل إعلام الحوثيين منذ استيلائهم على صنعاء. وتصف الزوامل بأنها إحدى الأدوات التي يعتمدون عليها لتوصيل رسالتهم، وإلى جانب الأناشيد، “ربما تكون أكثر أشكال الدعاية الحوثية تنوعًا وقبولاً” (2020).

يعتمد تحليلي للزامل على محادثة هاتفية مع أنيس في مارس 2019.[i] بدلاً من دحض فكرة كون الزامل خطابًا إقناعيًا، أستكشف كيف يختبر الأفراد ظاهرة الإقناع ونوع الفعل الذي يلهمه. بأخذ إشارات من أنيس، قمت بتحليل الزامل كممارسة قومية؛ كشكل ثقافي يناسب المستمع؛ وكقوة عاطفية. من خلال هذه العدسات الثلاث، تقدّم مناقشة أنيس رؤى حول كيفية تفاعل الزامل مع الهابيتوس[ii] لتحريك عدد لا يحصى من الممارسات المتجسدة في ردود الفعل المتنوعة على الزامل، حيث يزعم أن البعض يندفع للانضمام إلى قوات الحوثي، وآخرون ببساطة يدندنونه أثناء قيامهم بمهامهم اليومية، تنوه بمرونة الهابيتوس والطرق التي تُنتَج بها الأشكال الثقافية بشكل مثمر فيما يتعلق بها.
من أجل فهم السياق الذي يتحدث من خلاله أنيس، تطلب ذلك وصف الصراع (الصراعات) الحالية وأصولها التاريخية، يليه مناقشة موجزة للتعريفات المحتملة للزامل، والتواجد الكلي للشعر في صنعاء، ومع تقديم مثال بارز للزامل الحوثي.


 لمحة تاريخية

شهدت اليمن، كالعديد من دول الشرق الأوسط، صراعًا منذ الربيع العربي في عام 2011. وأعرب الكثيرون عن أملهم في أن تكون مبادرة مجلس التعاون الخليجي، التي سهّلت نقل السلطة من الرئيس علي عبد الله صالح إلى نائبه، عبد ربه منصور هادي هي الحل الذي سيحدث تغييرات إيجابية لأفقر دولة في الشرق الأوسط. وبدلاً من ذلك، سرعان ما تفكك الوضع السياسي.

 في خريف عام 2014، هجم الحوثيون من أقصى شمال اليمن وسيطروا على العاصمة صنعاء، مما أجبر هادي في نهاية المطاف على الفرار إلى عدن ثم المملكة العربية السعودية، حيث لا يزال يعيش عن بُعد وهو متمسك بمكتب الرئيس. كان العداء بين الحكومة اليمنية والمملكة العربية السعودية والحوثيين قائماً قبل فترة طويلة من استيلاء الحوثيين على صنعاء. ينتمي الحوثيون، أو (أنصار الله)، إلى الطائفة الزيدية، وهي جماعة شيعية حكمت أجزاء من شمال اليمن بنظام إمامي منذ القرن التاسع حتى تشكُّلت الجمهورية العربية اليمنية في عام 1962م. أثناء حكم الإمامة، كان بعض السادة، أو من هم من نسل النبي محمد، يشغلون مناصب مرموقة.  نظريًا، الإمام غير معصوم من الخطأ في المذهب الزيدي، والقيادة ليست مسألة سلالة مباشرة. أن تكون من نسل الرسول يعني أن تشترك معه في الأصل، وهي هِبة يجب أن يطوّرها الفرد بالبحث عن العلم أو المعرفة (Bruck 2005: 103-105). من أجل أن يكون الإمام شرعيًا، يجب أن يكون من سلالة النبي ويظهِر المعرفة الدينية. عندما اقتضت الظروف، دعا الأئمة إلى الولاء والخروج، وانتفضوا ضد الحاكم الظالم (Bruck 2010 ؛ Haider 2010). ظهر الشباب المؤمن، الذي عُرفَ فيما بعد بالحوثيين، في سياق تهميش السادة وآخرين في الجمهورية (Bruck 2010). علاوة على ذلك، غضب الحوثي عندما تحالف علي عبد الله صالح مع الولايات المتحدة في الحرب على الإرهاب. ووفقًا للوزير (2015)، ففي تلك المرحلة، بدأت الحركة تدعو للخروج، لكن لم يستخدم الحوثيون هذا المصطلح من قبل (Brandt 2017)، ولم يدعُ صراحةً إلى استعادة الإمامة.

في عام 2004، تم تصفية زعيم حركة “الحوثيين”، حسين بدر الدين الحوثي، بأوامر من صالح خارج صعدة (Brandt 2017 ؛ Wedeen 2008). كانت الحرب تدور في صعدة والمناطق المحيطة بها بشكل متقطع من عام 2004 فصاعدًا. في عام 2009، بعد أن امتد الصراع إلى الحدود بين المملكة العربية السعودية واليمن، تحالفت المملكة العربية السعودية مع الحكومة اليمنية لقمع الحوثيين (AlWazir 2015; Brandt 2017). أثار هجوم السعودية على جماعة شيعية غضب إيران، واتهمت الحكومة اليمنية والسعودية إيران بانتهاك السيادة اليمنية بتحريضها المباشر للحوثيين. ومع ذلك، لم يكن يوجد دليل على التدخل الإيراني في صعدة حتى عام 2011م (Brandt 2017).

في عام 2014، استولى الحوثيون على صنعاء بمساعدة الرئيس السابق صالح. في مارس 2015، بدأ مجلس التعاون الخليجي، بقيادة الحكومة السعودية، عملية عاصفة الحزم. قدّمت الولايات المتحدة وبريطانيا مساعدات تكتيكية بالإضافة إلى الأسلحة. بعد أن أطلقت القوات الحوثية صاروخًا انفجر بالقرب من مطار الرياض الدولي، فرضت الحكومة السعودية حصارًا، وهي خطوة تم انتقادها دوليًا بسبب تداعياتها الإنسانية. بحلول أوائل كانون الأول (ديسمبر)، أعلن صالح انتهاء تحالفه مع الحوثيين واستعداده للتفاوض مع التحالف. بعد أيام قليلة من المعارك الشرسة بين قوات الصالح والحوثيين، قتله الحوثيون وعززوا تحكمهم في صنعاء. الآن يسيطر الحوثيون على جزء كبير من شمال اليمن. وبينما هم يتبنون خطاب محاربة الظلم، فإنهم يمارسون قدرًا مخيفًا من التسلط على أولئك الذين يعيشون في أراضيهم ولا يتسامحون مع معارضيهم. وتجدر الإشارة أيضًا في سياق هذه الورقة إلى الدورات الثقافية التي أقاموها في الأحياء، حيث يقومون بتعليم اليمنيين أيديولوجيتهم ويقومون بتجنيد المقاتلين.

بالإضافة إلى المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة وإيران، فإن الإمارات العربية المتحدة منخرطة بشدة في اليمن. لقد حافظوا على وجود عسكري مباشر في الجنوب حتى فبراير 2020. ودعمت حكومة المملكة العربية السعودية الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، بينما تدعم الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي أعلن الحكم الذاتي في أبريل من عام 2020، وقد واجهت قواته الجيش الحكومي، كما هدد وحدة الدولة اليمنية وأضعف موقف الحكومة في الجنوب  (مركز صنعاء 2020). في ديسمبر من عام 2020، أعلن الرئيس هادي تشكيل حكومة جديدة يشارك فيها المجلس الانتقالي، تنفيذًا لاتفاق الرياض الذي مر أكثر من سنة منذ توقيعه. وفي بداية العام 2021، قامت جماعة الحوثي بإطلاق صواريخ بالستية على مطار عدن في الوقت الذي تمّ فيه وصول أفراد الحكومة الجديدة. لم يصب القصف شخصيات بارزة في الحكومة ولكن الهجوم أدى إلى وفاة 25 شخصًا آخرين (مركز صنعاء 2021). كما يزيد القاعدة وداعش من تعقيد الصورة في اليمن. في هذا التحليل، يبقى تركيزي على صنعاء، حيث يستمر الحوثيون بالسيطرة عليها وحيث يعيش أنيس وعائلته. مع أخذ هذا السياق التاريخي في الاعتبار، سأقوم بعد ذلك بدراسة كيفية تعريف الزامل بشكل عام وتقديم مثال لزامل مشهور للحوثي.


الزامل

عرّف الباحثون اليمنيون مثل أحمد الشامي (2007: 161-163) وعبد الله البردّوني (1998: 147-149) الزامل بأنه (فن شعبي) أو (أدب شعبي). يضع الحارثي للزامل ثلاثة أركان: مجموعة من المنشدين، والقافية، واللحن (2004: 123-29). في دراسة حالة كاتون، قدّم قائمة مماثلة من الخصائص الأساسية: “القافية والمعنى (أي القضية) واللحن القابل للتنفيذ” (1990: 130). الاختلاف الأساسي بين هذين المنظورين هو: مجموعة من المنشدين من جهة الحارثي، والقضية في حالة كاتون. هذا الاختلاف وجهان لعملة واحدة. ويشير الحارثي إلى أن الزامل ليس عملاً فردياً. على الرغم من أنه يمكن لفرد أن يقوم بتأليفه، إلا أن الزامل تؤديه مجموعة.[iii] وذلك لأن الزامل يفهرس التطلعات والمشاعر المجتمعية تجاه موضوع معين، أي: مطلب كاتون الثاني للزامل. غالبًا ما تؤدي الزوامل مجموعة من المنشدين الذين يسيرون إلى جمهورهم. يعتبر الرقص في بعض الأحيان أحد عناصر الزامل، ولا سيما الرقصة القبلية المعروفة بالبرع (كاتون 1990: 130). نشأ النوع الأدبي في سياق قبَلي وغالبًا ما تؤطِر الزوامل الأحداث ضمن روح قبلية وإشارة إلى القانون العرفي القبلي. وكما هو واضح الآن، غالبًا ما يستخدم الزامل في الحرب، ولكنه يظهر أيضًا في مجموعة متنوعة من المناسبات العامة الأخرى، مثل حفلات الزفاف، والخلافات القبلية، والتجمعات السياسية والمهرجانات الدينية (Miller 2007: 8).

قبل استيلاء الحوثيين على صنعاء، كان بعض اليمنيين على دراية بنوعهم المحلي من الزامل الذي تستمرّ تأديته حتى اليوم. قد تختلف هذه الأشعار إلى حدٍ ما عن الخصائص التي لاحظناها أعلاه. على سبيل المثال، أخبرني أنيس أن البرَع لا يتم تأديته أبدًا مع الزامل في قريته. ومع ذلك، فهو على دراية بالزامل، وغالبًا ما كان يؤدّى بدون موسيقى في مناسبات مختلفة في قريته، بما في ذلك حفل زفافه من منى (pers. comm.). بعد أن سيطر الحوثيون على صنعاء عام 2014، وخاصة بعد أن تورطت المملكة العربية السعودية والتحالف الخليجي في الصراع، تحوّل الزامل الحوثي وتضاعف. في حين أن المجتمعات القبَلية المحلّية تقوم بتأليف زواملها الخاصة، فقد استخدم الحوثيون نوعهم الخاص من الزامل كأداة إعلامية وحيدة من ضمن العديد من الأدوات الأخرى لدعم قضيتهم. يضمن هؤلاء أن الزوامل على الأقل تمثل جزءاً من المشهد الصوتي اليومي في صنعاء. يمكن سماع الزوامل في الأسواق، عند نقاط التفتيش العسكرية، في المناسبات القَبلية. يغنّيها الأطفال في حي أنيس ومنى. أنيس ومنى يستمعان إلى الزوامل على جهاز الإم بي ثري في المنزل، وكثير منهم يستمعون إلى الزوامل من هواتفهم المحمولة (pers. comm.). خارج اليمن، انتشر الزامل على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتفاخر البعض بتحقيقه أكثر من مليون مشاهدة.

من المهم التفريق بين الزامل كفن شعبي والزامل الحوثي. الزامل الشعبي متواجد في المناطق القبلية في اليمن سواء تلك الواقعة تحت سيطرة الحوثي أو الحكومة المعترف بها دوليًا أو غيرها من الأطراف.  تختلف زوامل الحوثيين عن الزوامل الشعبية كما عرفها الحارثي وكيتون وناقشها البردّوني. من هذه الاختلافات باختصار أن الزامل الحوثي يعتمد على الخطاب الديني الذي يعكس أيديولوجية متطرفة، كذلك عدد الأبيات، قد تكون أكثر من الزوامل الشعبية، بالإضافة إلى استعمال الأدوات الموسيقية الحديثة والألحان الجديدة. تستحق هذه الاختلافات مزيدًا من الدراسة لكنها تظل خارج نطاق هذه الورقة، أعمل الآن على دراسة بعضها في بحث سيصدر قريبًا(Sumner forthcoming). وتجدر الإشارة أيضًا إلى أنه خارج مناطق سيطرة الحوثي، فإنه يوجد شعر آخر مقابل له، يعبر عن وجهات نظر متناقضة، تسمّى شيلة وهي مرتبطة بشكل مباشر بالشيلة الخليجية (المحفلي والعرامي (pers. comm..

 في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، يتم ذِكر أولئك الذين يقاتلونهم، وخاصة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة، كأعداء. على سبيل المثال، أقدّم كلمات زامل انتشر على نطاق واسع على يوتيوب، يُدعى “صنعا بعيدة” (2015). يركز هذا الزامل حصريًا على المملكة العربية السعودية باعتبارها الخصم، ويتجلى ذلك في السطر الرابع والسادس حيث ورد ذكر الرياض والملك سلمان. يلاحظ أن كتابة الزوامل هي الأكثر شيوعًا باللهجة بدلاً من العربية الفصحى.


أداء: عيسى الليث
كلمات: محمد الجرف

  1. استنفري ياجيوش الله في مارب
    وقت النقا حان ويل المعتدي ويل
    ه
  2. جنود ربي حماة الدار تتأهب
    والجن والأنس والاملاك تصغي له
  3. الله أكبر صداها في الحشا يلهب
    وبندقي في الخصم يدي مواويله
  4. صنعاء بعيده قولو له الرياض أقرب
    يابندقي لاهنت سامرني الليله
  5. القوم شبت نكفها للقاء ترغب
    كلاً حزم عدته واسرج على خيله
  6. قولو لسلمان ماله مننا مهرب
    حتى ولو في بطون الأرض نأتي له
  7. هذا اليمن من تجاهلنا فقد جرب
    المعتدي يالغبي يبشر بتنكيله


بناء نظرية الزامل مع أنيس

في الصفحات التالية، سوف أروي حواري مع أنيس حول الزوامل لتوضيح الطرق التي يختبَر بها هذا الشكل الشعري والممارسات التي يرى أنيس أنها تولدّها. ينبع اختياري للتركيز على تعبيره عن علاقته بالزامل من اقتناعي بأن أنيس خبير في حياته الخاصة والممارسات الثقافية التي تحيط به. إنه لا يقدم لي مجرد بيانات أولية لأحللها؛ تشكل روايته “نظريات الجسد” على النحو الصحيح (ماديسون 1993). من خلال “نظريات الجسد” أستشهد بتعريف د. سويني ماديسون للمصطلح: “الفلسفات أو” النظريات ” المتعلقة بالواقع” الخاصة بمجموعات معينة بناءً على “ظروفهم الثقافية والجيوسياسية والاقتصادية” (319). ومع ذلك، من خلال تفسير ما يخبرني به أنيس عن تجاربه مع الزامل، تحدث عدة طبقات من التداخلات. لا شيء أكتبه يجسّد بشكل كاف تجارب أنيس وتلك التي يصفها. بدلاً من ذلك، أجرؤ على القول بأن أنيس وأنا نبني بشكل حواري نظرية الزامل. يستجيب كل واحد منا للآخر بتجاربه وخلفياته الثقافية ولا بدّ من تأثيرها على ما يُقال وما يُفهَم. الحوار بين شخصين أو طرفين هو التوازن بين مشاركة الرأي والاستماع إلى الرأي الآخر في ظلّ اختلافات ثقافية واجتماعية. بدلاً من اعتبار الفجوة بيني وبين أنيس كشيء سلبي يسبب سوء فهم، أعتبرها ميزة وأداة في إنتاج أفكار جديدة وتوضيح أبعاد الظاهرة التي نناقشها. من خلال حوارنا أنا وأنيس نبني نظرية مشتركة حول الزامل فضلاً عن منظورَينا الفريدين والسعي إلى التفاهم. إذن أنا لا أقدم وصفًا موضوعيًا لتجاربه؛ فمن المحتمل أن يكون موقفي تجاهه وتجاه الأحداث التي تدور حوله قد أثّرت على كيفية التعبير عن تجاربه لي. وإدراكًا لذلك، أقدم شرحًا موضعيًا وجزئيًا ومتوسطًا لعمل الزامل في هذه الورقة. المفهوم التحليلي الأساسي الذي أستخدمه في هذه الورقة هو “هابيتوس” لبيير بورديو، “أنظمة السجايا الدائمة والقابلة للتبديل” أو “نظام الهياكل الإدراكية والتحفيزية” (بورديو 1990: 53). كما يوضح بورديو، يرتبط الهابيتوس ارتباطًا وثيقًا بالطريقة التي يعتاد بها الجسم على التفاعل مع المكان. تتطور الممارسات والأذواق المحددة في حياة الفرد بناءً على التفاعلات اليومية الأكثر اعتدالًا إلى أكثرها استثناءً، والتي تعمل بعد ذلك على الظروف الاجتماعية الجديدة وتتفاعل معها مع تقدم حياة الفرد.

يناقش بورديو في المقام الأول الهابيتوس فيما يتعلق “بنوع محدد من ظروف الوجود” (53). بعبارة أخرى، يقوم بتحليل الطرق التي يتم بها مشاركة الهابيتوس من قبل الأشخاص الذين عاشوا في ظروف مماثلة وتجارب مشتركة. وجد العديد من العلماء أن الهابيتوس مفهوم مهم عند دراسة كيفية تجسيد الهويات الاجتماعية. على سبيل المثال، في تحليل شانون جاكسون لبرنامج Hull-House المسرحي في شيكاغو خلال العصر التقدمي، أوضح كيف تم استخدام المسرح لتغيير الهابيتوس لدى الممثلين بشكل متعمد كجزء من جهود الإصلاحيين نحو التغيير الاجتماعي (Jackson 1996). من ضمن استراتيجيات الإصلاحيين تدريب الممثلين على التصرف بطريقة معينة، مثل الطريقة التي يقفون بها ويتحدثون ويتفاعلون في أماكن محددة (مثل “غرفة طعام برجوازية”) (356). من ناحية أخرى، يلاحظ هارفي يونغ في مناقشته للجسد الأسود أن الهابيتوس لا يقتصر على تكييف الناس للانتماء إلى فئة معينة، وبالتالي يتصرفون جنبًا إلى جنب مع بعضهم البعض. كما أنه يحمل قوة تفسيرية في توضيح كيف تحافظ الهيئات الاجتماعية على الفاعلية والمرونة أثناء العمل ضمن مجموعة من السجايا التي اكتسبوها طوال حياتهم (2010: 20-22). بالنسبة له، هذا يعني أن الجسم الأسود “فريد من نوعه ومتغير في نفس الوقت” (20). على نفس المنوال، فإن هذا المقال يستخدم مفهوم هابيتوس في التحليل. فمن ناحية، يتتبع كيف أن الظروف والممارسات المحددة تولد أذواقًا وخبرات عاطفية وأفكارًا معرفية متشابهة بين بعض اليمنيين حول أنيس في صنعاء. ومن ناحية أخرى، يسمح لنا بتتبع التنوع والاختيارات المتاحة لهم.

أبدأ باقتباس واحد من أنيس، والذي حددت منه ثلاثة خيوط أتبعها في هذه الورقة لإظهار كيف يفهم هو الزامل، وكذلك ماذا يستنتج أنيس من تأثير الزامل على مَن حوله.

رداً على أسئلتي حول شعوره عند الاستماع إلى الزوامل، قدم الأفكار التالية:

أنيس: والله قلت لك .. تشعر أن هذه الزوامل، تقول الحقيقة، تشعر … أن هذه الزوامل … عندما تستمع إليها تشعر بالفخر.. الفخر باليمن. بعضها مؤلف … للفخر، الفخر باليمن. هناك يمنيون.. عندما يبدأون بالاستماع إليه (الزامل) – من الكلمات، من اللحن، من الصوت – فهو مناسب.

عندك نشيد الزامل: الله أكبر! تَرفَع المعنويات. الله أكبر! رددي يا سرايا! ” هذا جيد. يستمع إليها الكثير من الناس … كثير، من كبار السن إلى … الكثير من الناس. لأنه يحتوي على كلمات جيدة. الكلمات … أممم … أممم … عندما يذهب أحد … انظر ، عندما يذهب أحدهم إلى الجبهات أو يذهب إلى أي مكان … وهو، أعني، مستعد للحرب، أو مستعد لشيء ما.. فيه بطولة (الزامل).. فيه كلمات تحمُّس. (pers. comm.)

أولًا: يصف أنيس الفخر الذي يربطه بالزامل. ثانيًا، استخدم مصطلح “مناسب” لوصف علاقة الزامل بالمستمع. ويختم شرحه بالتشديد على أن للزامل “كلمات تحمُّس” من يستمع إليه. تتقاطع كل هذه الطرق الثلاث لفهم الزامل؛ علاوة على ذلك، فإنهم لا يبرهنون فقط على أن الزامل هو أداة إقناع قوية، بل يسلّطون الضوء أيضًا على كيفية حدوث هذا الإقناع بشكل فعال وما هي الممارسات التي يولدها الزوامل.


الزامل كممارسة قومية

يستخدم أنيس كلمة الفخر لوصف ما يشعر به عندما يستمع إلى الزامل. بشكل محدد يقول أنيس إنه يحس بالفخر من أجل بلده؛ إذن يقصد الافتخار القومي. حقيقة أن الزامل يُفترض به أن يعبّرعن المشاعر الجماعية مما يجعله مناسباً بشكل خاص لبناء هوية قومية لانّ القومية تعتمد على فهم “المجموعة كفرد” (Bhabha 1990: 294) مع تاريخ وثقافة وعادات مشتركة. نشأ أنيس في عهد علي عبد الله صالح، الذي استخدم بشكل استراتيجي الشِعر والرقص القبليَين كتقليد ناشئ لتعزيز وبناء الشعور بالهوية الوطنية (Adra 1998: 90). يشير حديث أنيس إلى أن الحوثيين يستغلون الاستراتيجية نفسها. من جهة يمكن أن يعتبَر الارتباط بين الزامل والقومية غير منطقي لأنّ الحوثيين أخذوا السطلة بدون إرادة الشعب ولهم أيديولوجيا متشددة لا تمثل اليمن بأكمله. ومن جهة أخرى فإن إدخال رموز وصور وكلمات قومية في زواملهم لإثارة شعور قومي هو طريقة سهلة كي يربطوا جماعتهم بسردية الوطن بغض النظر عما إذا كانت هذه قومية مثالية أم لا.

نظرة سريعة على مقطع فيديو من قناة المسيرة (الحوثيون يرقصون 2015)، المنفذ الإعلامي الرسمي للحوثيين، يظهر ارتباط الزامل بالهوية الوطنية في أدائها. خلال المقطع، كان هناك مشهد قصير مدته خمس ثوان لأربعة مقاتلين من الحوثيين يرقصون البرَع على الزامل. وعلى الرغم من قصر المشهد، فإن عنوان الكليب كان مأخوذاً منه، في إشارة إلى أهميته الرمزية: “يرقص الحوثيون البرَع داخل مدينة الربوعة السعودية” (الحوثيون يرقصون 2015). يبدأ المقطع بلقطات من الحوثيين في الربوعة. دخان يتصاعد من المباني المدمرة جزئياً مصحوباً بأصوات انفجارات. يرتدي المذيع علمًا يمنيًا ملفوفًا على كتفيه، مما يجعل النصر يبدو يمنيًا. بعد مقدمة من المذيع، يظهر ثلاثة مقاتلين على الشاشة. الشخص الذي في الوسط يحمل أيضًا علمًا يمنيًا حول رقبته. في لحظة، أمسك بالعلم بيده اليمنى، ولوح به، وقال: “نحن هنا بعَلَمِنا، علم الجمهورية اليمنية، داخل مدينة الربوعة [السعودية]”. هذا الاستدعاء واضح للأمة. زعم أن الهجوم على الأراضي السعودية عمل يمني. ثم يستمر الفيديو في عرض صور للمركبات والدبابات المدمرة. وردد المقاتلون معًا شعارًا مرتبطًا على نطاق واسع بالحوثيين، بينما لا يزال أحدهم يرتدي العلم اليمني. في هذه المرحلة، كان الأربعة، أحدهم لا يزال يلفّ العلم على كتفيه، يقوم بتشغيل الزامل ويرقصون البرع في شارع مغبر. تتحرك الكاميرا بسرعة على الراقصين، على الرغم من أن المستمع لا يزال يسمع الزامل، ليكشف مرة أخرى عن المباني المليئة بالدخان والدبابات المدمرة. يعود المشهد التالي إلى نفس الأشخاص الأربعة، ثلاثة منهم يحملون أعلامًا. يُظهر الجزء المتبقي من المقطع لقطات يُفترض أنها صُورت خارج المدينة: مزيدا من الانفجارات والدبابات، ومقاتلين يتدافعون لصعود جبل. باختصار، يوضح هذا المقطع كيف تعمل الأفعال والرموز المتعددة معًا لتشكيل تصورات قومية. من ذلك الظهور المستمر للعلم اليمني، واستدعاء الجمهورية اليمنية وأداء البرَع والزامل، والتي تتفق على الادعاء بأن أعمال العنف الحوثي هي في الواقع عروض قومية لصالح جميع اليمنيين.

بالقول بأن الناس يشعرون بالفخر باليمن عند الاستماع إلى الزوامل، يلمح أنيس إلى الطرق التي ينشط بها الزامل الجسد، مما يجعله لا يشعر فقط بحس القومية ولكن أيضًا ينشط المرء لتأديته. الزامل مثال على المنهجية على حد قول بورديو:

يستفيد كل نظام اجتماعي بشكل منهجي من قابلية الجسد واللغة ليعملا كمستودعات للأفكار المؤجلة التي يمكن إطلاقها على مسافة في المكان والزمان من خلال حقيقة بسيطة تتمثل في قابلية تكيّف الجسم على الوضع العام الذي يستدعي الأفكار المرتبطة به، المشاعر، في إحدى الحالات الاستقرائية للجسم والتي، كما يعلم الممثلون، تؤدي إلى حالات ذهنية (1990: 69).

الحالة الذهنية، في هذه الحالة، هي حالة قومية. يصف أنيس الزامل الذي يقوم بهذا النوع من العمل على الجسد والعقل بصفته محددة: المناسب. في القسم التالي، سأكشف عن استخدام أنيس واسع النطاق لهذا المصطلح.


الزامل المناسب: مسألة هابيتوس

باستخدام مصطلح “المناسب” عدة مرات في حديثنا، يشير أنيس إلى أهمية مفهوم هابيتوس بالنسبة إلى الزامل. بعبارة أخرى، يشير تفسيره إلى أن السجايا الداخلية لفئة من اليمنيين حوله تكون متطابقة، على الأقل إلى حد ما، مع الزامل الحوثي. لاحقاً، يظهر عدم ارتياح أنيس في حين أنه يستخدم مفردة “مناسب” بأسلوب متناقض كشفًا عن إدراكه أن الهابيتوس الخاص بي قد لا ينسجم مع الزامل.

تأتي كلمة “مناسب” من الجذر المكون من ثلاثة أحرف نون – سين – باء وتحمل دلالة العلاقة أو الترابط بين الأشخاص أو الأشياء. على سبيل المثال ، يعني الاسم (نسب)، أو الترابط بين العائلات بمرور الوقت. مناسب هي الصفة المشتقة من الشكل الثالث “يناسب” ، والتي تحمل معاني مثل “… يتناسق، يتفق، يتوافق، يتلاءم (مع).. “(Wehr1994: 1126). في الاستخدام العامي، كثيرًا ما أسمع الفعل يناسب” للإشارة إلى ملاءمة شيء ما أو شخص ما فيما يتعلق بشيء آخر. على سبيل المثال، يمكن لشخص ما أن يمتدح الزي أو الزينة الجديدة في المنزل بالقول إنها تناسب الشخص أو تصبح كذلك. أسمعها أيضًا للحديث عما ينبغي أو لا ينبغي فعله في مكان معين. قد يخبر المعلم الطالب، على سبيل المثال، أن التحدث على الهاتف في الفصل “غير مناسب”. الدلالات العلائقية للجذر مهمة وتفسر الطرق المرنة التي يستخدم بها أنيس مفردة “مناسب”. إن أنيس على دراية جيدة بالزامل ومعتاد عليه ومتوافق معه، في حين أن الهابيتوس الخاص بي ليس كذلك. إنه يرسم خطاً رفيعاً ونحن نتصارع مع هذا الالتباس: إذ كيف يكون الزامل مناسبًا وغير مناسب في نفس الوقت؟

بالعودة إلى الاقتباس الذي كان بمثابة نقطة انطلاق لتحليلي للزامل، يستخدم أنيس مصطلح “مناسب” عندما يقول:

أنيس: والله قلت لك .. تشعر أن هذه الزوامل، تقول الحقيقة، تشعر … أن هذه الزوامل … عندما تستمع إليها تشعر بالفخر .. الفخر باليمن. بعضها مؤلف … للفخر ، الفخر باليمن. هناك يمنيون .. عندما يبدأون بالاستماع إليه (الزامل) – من الكلمات، من اللحن، من الصوت – فهو مناسب. عندك نشيد الزامل: الله أكبر! تُرفَع المعنويات. الله أكبر! رددي يا سرايا! ” هذا جيد. يستمع إليها الكثير من الناس … كثير، من كبار السن إلى … الكثير من الناس. لأنه يحتوي على كلمات جيدة. الكلمات … أممم … أممم … عندما يذهب أحد … انظر ، عندما يذهب أحدهم إلى الجبهات أو يذهب إلى أي مكان … وهو، أعني، مستعد للحرب، أو مستعد لشيء ما … فيه بطولة (الزامل) … فيه كلمات تحمُّس. (pers. comm.)

في هذه الحالة، فإن التجربة الحسية الكاملة للزامل، بما في ذلك (وخاصة) الكلمات، هي التي تجعله مناسبًا، ومن هنا قال “من الكلمات، من اللحن، من الصوت”.  باستخدام مصطلح “مناسب”، يجسد فكرة أن الهابيتوس يتفاعل مع الجماليات بطرق معينة؛ لا تتعلق الجماليات بالشكل الثقافي كشيء منعزل، ولكن كيف يتفاعل مع الهابيتوس الخاص بنا الذي يجعله ممتعًا وصعبًا وعاطفيًا وجميلًا وما إلى ذلك. إن الترجمة المحتملة للكلمة المناسبة كـ “متناغم” معبرة أيضًا؛ يتعلق الأمر بكيفية تناسب الشكل مع الهابيتوس، وكيف يتلاءم الاثنان معًا لإيجاد شيء جديد، ومن هنا جاءت الممارسات والتداعيات المتعددة التي تحركها تجربة الزامل.

ومع ذلك، في الغالب، استخدم أنيس مصطلح “مناسب” بالمعنى السلبي أثناء المقابلة. عندما سألته إذا كان هو وعائلته يستمعون إلى الزوامل في المنزل. فأجاب:

أنيس: نعم ، لدينا [مشغل] MP3 … نستمع إلى … هناك بعض … بل هناك الكثير من الزوامل … لا … أقول لك ، امم ، بل مئات من الزوامل –

سومنر: نعم ، حسنًا.

أنيس: ولكن ما هو مناسب في الصوت، والأداء، وما إلى ذلك …قد نستمع إليه، وما هو غير مناسب، نتجاهله (pers. comm.).

شعرت بالفضول على الفور بشأن ما يشير إليه أنيس بمصطلح مناسب هنا. ما الذي جعل صوت الزامل وأداءه “وما إلى ذلك” مناسبًا وغير مناسب؟ عندما طلبت منه التوضيح، بقي صامتًا لبضع لحظات، كما لو كان يزن كلماته. ثم قال:

أنيس: أعني … انظر، معظم الناس… معظم اليمنيين لا يعرفون بالضرورة ما هو موجود في الزامل … أممم.. أو يحتاجون إلى تصنيف ما هو جيد أو غير جيد. بعض الناس يستمعون إلى اللحن. وأحيانًا اللحن، إذا ركز المرء، فهناك بعض الكلمات التي يمكنك فهمها وهناك بعض الكلمات المختلطة. بالنسبة لبعض الناس، يستمتعون بالصوت، واللحن، وما إلى ذلك – للرقص ، لأي شيء آخر … إن [اللحن أو الزامل] لا يرضيهم لأن… هناك بعض الزوامل التي تحتوي على كلمات سيئة حول… ضد المملكة العربية السعودية، وضد أمريكا، ضد أي شيء آخر … هل فهمت؟ (pers. comm.).

أود أن أشير إلى بعض النقاط حول هذا الرد. أولاً، نأى أنيس بنفسه على الفور عن اتجاهات مختلفة نحو الزامل. مع أنني كنت قد سألته ما الذي يجعل الزامل مناسبًا له، إلا أنه يتحدث بعموميات بدلاً من سرد تجربته الشخصية. أستطيع أن أفكر في تفسرين محتملين لهذا، لا يستبعد أحدهما الآخر. الأول إنه يعتقد أن لديه معرفة باليمنيين بشكل عام، ويعتقد أن هناك توجهًا عامًا تجاه الزامل لكثير من اليمنيين. هذا يدل، مرة أخرى، على اعتقاده بالتطابق بين الزامل والهابيتوس للذين يكونون حوله. الاحتمال الثاني هو أنه يدرك جيدًا موقفي كأمريكية، وهو قلق من أن إفصاحه عن تجاربه الإيجابية مع الزوامل قد يضر بعلاقتي به وبعائلته. إنه يرى أن الزامل يتعلق بالهابيتوس الخاص بي بطريبة مختلفة، وقد لا أتمكن من استيضاح معنى الزامل بشكل مناسب. ومن ثم فهو يوضح أن الكلمات عن المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة وغيرهما ليست من العوامل التي تجعل الأغنية مناسبة. في الواقع، كما يدّعي، يصعب أحيانًا سماع الكلمات بالوضوح بصورة كاملة. ومع ذلك، فقد طمأنته مرة أنني كنت أدرس الزوامل وأنا على دراية جيدة بالكلمات التي يقدمها في أول اقتباس، حيث أشار إلى أن احتواء الزامل على كلمات جيدة هو أحد الأسباب التي تجعله مناسبًا.

لاحقًا، يحاول أنيس التراجع بعد أن سألته عن الطاقة والفخر اللذين يذكرهما عندما يستمع إلى الزامل. يتفق على أنه يشعر بالنشاط والفخر عند الاستماع إلى الزامل، ولكن بعد ذلك يلطّف تصريحه على الفور:

أنس: نعم نعم نعم ، لكننا نحن اليمنيين بشكل عام لا نقصد، لا نقصد المعنى، هل تفهم قصدي؟ أو الكلمات أو ما يقوله الزامل لأني قلت لك بعض الكلمات.. ليست مناسبة.

مرة أخرى نجد تكرارًا لكلمة “مناسب”. لقد أوضح أن الكلمات ليست مناسبة، على الرغم من تحديده سابقًا أن كلمات هذا الزامل بالذات هي التي جعلته مشهورًا للغاية.

أستخلص استنتاجين من استخدام أنيس لكلمة “مناسب”. أولاً ، يشير أنيس إلى أن بعض الكلمات في الزامل لا تتناسب مع حساسيتي، وربما يكون في قرارة نفسه أيضًا لديه إحساس بالنفور من الكلمات. والأهم من ذلك، أنه يشير إلى أنه يمكن لأي شخص أن يجد قيمة في الزامل، ولكن ليس بالضرورة أن يستجيب لذلك بحمل AK47 ويصبح مقاتلًا مع الحوثيين. الزامل الشعبي هو ممارسة ثقافية متأصلة بعمق في الحياة اليمنية، والزامل الحوثي مستنتجاً من هذا الفن، والتناغم الذي ينشأ من بين هابيتوس الفرد والزامل يختلف من شخص لآخر. يناقش أنيس هذه “التناغمات” عندما يصف الطرق المختلفة التي يحمس بها الزامل. يقودني هذا إلى الخيط الأخير من الاقتباس الأول: الزامل كقوة عاطفية.


الزامل كقوة عاطفية

ويشير أنيس إلى أن الزامل يحتوي على “كلمات تحمُّس” ومليء بالبطولة. في نفس الاقتباس، يربط بين وجود الزامل وممارسات معينة، مثل الذهاب إلى الحرب. كما ذكرت سابقاً، تعتبر زوامل كثيرة من غرض الحماسة الذي يسعى إلى تأثير المشاعر. أعجبني استخدام أنيس لمصطلح تحمّس، لذلك طرحت أسئلة متابعة حول حماسه على وجه التحديد. في النهاية، أعطاني الرد التالي:

أنيس: أمم… بالنسبة لي أنا متحمس وحماسي موجود معي. لا أستطيع … حماسي … حماسي … عندما أريد الاستماع إلى هذا، هذا الزامل يبقيني متحمسًا على الطريق. على سبيل المثال … أريد أن أمشي وأشعر أنني بحالة جيدة. من الأفضل أن أمشي برفقة الزوامل … عندما أستمع إليها في العمل، أعمل بشكل جيد، أو أعمل بسرعة.

سومنر: نعم، نعم.

أنيس: عندما أجلس، أشعر بالسعادة هكذا.

سومنر: نعم، حسنًا.

أنيس: هذا، هذا من وجهة نظري (pers. comm.).

يشير وصف أنيس لعلاقته بالزامل إلى أن القصائد تحفز الانفعال وتحركه وتنشط ممارسات معينة. تتفق وجهة نظره مع وصف سارة أحمد لاقتصاديات الانفعال (2004). حيث تستبعد الميل إلى تحليل العواطف على أنها تقيم في نفس الفرد. وتشير إلى أن هناك اقتصاد للعواطف، وأنها “تنتشر وتتوزع عبر المجال الاجتماعي والنفسي على حد سواء (121). يتماشى هذا مع حماس أنيس، الذي يصفه بالحفاظ على وجوده خارج حدود جسده المادي (“حماسي موجود معي”). عندما يمشي، تحيي حماسته الطريقة التي يعمل بها (مما يجعله أكثر إنتاجية) وحتى إثباته (إنه سعيد). من أجل التأكد من أنني فهمت توصيفه للقوة العاطفية للزامل بشكل صحيح، قمت بمزيد من الضغط، وسألت أين يشعر بالضبط بالزامل: في قلبه، عقله؟ قاوم قليلاً للإجابة، لكنه قال في النهاية: “من القلب… من كل شيء. يجب أن يكون”.

تستخدم كاثلين ستيوارت استعارة الكهرباء للتنظير اقتصاديات الانفعال، مما يمنحها مفردات غنية تسمي الطريقة التي يمكن أن يبنى عليها الانفعال (الاندفاع) ويتحرك في مسارات محددة (في الدوائر) (Stewart 2007). تساعدنا هذه الاستعارة أيضًا على تصور كيف يمنح العواطف أفعالًا معينة مع حياة جديدة، تمامًا كما يصف أنيس أن الزامل ينشطه، وبالتالي يمضي في يومه بطريقة مختلفة. الانفعال كالكهرباء هو نموذج مثير للاهتمام بشكل خاص عند التفكير في الممارسات الشفوية. الزامل هو تقليد شفهي، أدب شفهي، بتعبير Ngũgĩ wa Thiong’o (2014). مثل الكهرباء، يمكن للخطابة أن تتحرك دون أن تُرى، على الرغم من الإحساس بها وسماعها. يدور بشكل غير مرئي، كما تفعل الكهرباء، لكنه يعتمد على مصادر طاقته. تعتمد الكهرباء على التوصيل؛ وبالمثل، يجب على الناس أداء الزامل حتى يحافظ على حيويته.

تستخدم سارة أحمد “فتشية السلعة” (تقديس السلعة) من أجل توضيح اقتصاديات الانفعال وكيف تظهر الانفعالات كأنها مقيمة في الجسم بينما تكون متنقلة من جسم إلى آخر. الفتشية بشكل عام هي زعم قوة حيوية (واحياناً ساحرة) في شيء مادي وفتشية السلعة (أو تقديس السلعة) نوع من أنواعها حين تُظْهَر قيمة السلعة نتيجةً لتجاهل التاريخ التجاري الذي صنع الشيء نفسه. تقول: “تظهر المشاعر في الأجسام، أو في الواقع كأجسام لها حياة في ذاتها، من خلال إخفاء كيفية تشكلها عبر التاريخ، بما في ذلك تاريخ الإنتاج (العمل ووقت العمل)، وكذلك التداول أو التبادل” (Ahmed 2004: 120-21). تُنسى اقتصاديات الانفعال مثلما تُنسى اقتصاديات السلعة. وبالنسبة للأدب الشفهي، الممارسات الثقافية مثل الزامل، تنبع قوتها من أدائها، والتي تأتي من جسم مادي (سواء كان مشغل MP3 أو شخصًا)، فإنها تحتوي أيضًا على صفة سريعة الزوال تسافر من مصدرها منذ لحظة لفظها. يعالج والتر أونغ عدم استقرار الزمن لدى الأدب الشفوي (قبل أن يطلق عليها Ngũgĩ wa Thiong’o هذا الاسم). ويشير إلى أن “الصوت لا يوجد إلا عندما يختفي من الوجود” وأن ” الإحساس يحدث في الوقت المناسب، ولكن لا يوجد مجال حسي آخر يقاوم تمامًا الثبات، والاستقرار، بهذه الطريقة” (1982: 32).  لا تكون أصوات الإنشاد محصورة في الأجسام كما لا تكون الانفعال محصورة فيها: تتراكم الانفعال وأصوات الزامل تسري من جسم إلى آخر ولا تظل ثابتة في مكان واحد. فالخطابة والانفعال يمكن أن يظهرا ويختفيا في وقت واحد؛ يتحركان دون أن يُرَيا بالعين، لكن آثارهما محسوسان.

تقول سارة أحمد: “بدلاً من النظر إلى العواطف على أنها سجايا نفسية، نحتاج إلى النظر في كيفية عملها، بطرق محددة ودقيقة، للتوسُّط بين النفسي والاجتماعي، وبين الفرد والجماعة” (2004: 119 ). يصف هذا التعليق العواطف بأنها وسيطة، تمامًا كما تم فهم الزامل كأداة وساطة. إذا كانت سارة محقًة والعواطف تقوم بوساطة بين الفرد والجماعة، فيمكنها القيام بعمل تحويل الفرد إلى نوع معين من الذات يتوافق مع البعض ويتم وضعه في مواجهة مع الآخرين. تقوم بذلك عن طريق وضع الفرد في موقع محدد في اقتصاديات الانفعال، كما يعمل الإقناع لوضع شخص أو فكرة في وضع معين فيما يتعلق بالآخرين وأفكارهم.


بلاغة إقناعية أم دعاية؟

في الأقسام السابقة، استخدمت شرح أنيس للزامل لتصور هذا الشكل من الشعر من ثلاث زوايا مختلفة: الزامل كممارسة وطنية؛ الزامل على النحو المناسب؛ والزامل كقوة عاطفية. تساعدنا كل عدسة من هذه العدسات في فهم كيفية تفاعل الزامل بشكل ملموس مع الهابيتوس والإقناع. في هذا المنعطف، سأدرس طرقًا أخرى يستجيب بها بعض اليمنيين للزامل. تظهر الإجابات التي يصفها أنيس كيف تتقاطع العدسات الثلاث، وتكشف أيضًا عن أسئلة حول الحدود الدقيقة بين الإقناع والدعاية.

لقد رأينا بالفعل كيف يصف أنيس رد فعله تجاه الزامل وكيف ينشّط الشعر ممارساته.
يجد نفسه نشيطًا وسعيداً عندما يستمع إلى زوامل معينة. يجد نفسه أكثر إنتاجية في العمل. وفي أوقات أخرى، يلاحظ ردود فعل يمنيين آخرين على الزامل: “بعض الناس يستمعون إليه [الزامل] ويريدون الذهاب مباشرة إلى الجبهات” (
Anīs، pers. comm.). من خلال “الذهاب إلى الجبهات” ، فإنه يشير ضمنيًا إلى الانضمام إلى القوات الحوثية. وبعد صمت قصير تبعه قائلاً: “هل تفهم؟ هذا هو حماس بعض الناس “(comm.). سألته ردًا على ذلك، “كيف تعرف ذلك؟ هل تسمع روايات عن ناس يسمعون الزوامل ويذهبون إلى الجبهات؟ “

أنيس: أخبرتك أن بعض الناس متحمسون، لأنه يوجد هنا العديد من المدارس… يطلقون عليها مدرسة قرآنية. يقول البعض إنها مدرسة قرآنية وأنهم يثقّفونهم. لكنهم يعطونهم زوامل. يعطونهم أشياء أخرى حتى تتحول أدمغتهم إلى شيء آخر.. لدينا الكثير كما ترى، هؤلاء يستمعون إلى الزامل ثم يفقدون عقولهم. حتى أنك ترى شخصًا جالسًا يمضغ القات،[iv] يجلس في مكان ما، لكن عقله في الزوامل. عقله ليس في عمله أو أمه أو والده أو في أي شيء، لا! (pers. Comm.).

يشير أنيس إلى أن مَلكَات الناس يتم التأثير عليها تمامًا حتى يفقدوا عقولهم. هذا يتعارض مع فكرة أن الإقناع يتعلق في المقام الأول بالقبول المعرفي للحجة المنطقية. بدلاً من الاقتناع بشيء من خلال المنطق والعقل، يقدم أنيس صورًا بأن الدماغ يتم إزالته وتشبيعه بوجهة نظر معينة. التباين كبير، يستمع إلى الزامل ويحسن عمله وآخرون يستمعون إلى الزامل ويفقدون عقولهم. هذا مثال على القوة. إنه يوضح أنه على الرغم من أن الأشخاص الذين يعيشون في أماكن متشابهة ويمارسون أشياء متشابهة ولديهم عادات متشابهة، فإن البديهية المتأصلة في العادات تتيح مساحة للشخص للتفاعل بشكل مختلف عن الآخرين.

في لحظة أخرى من المقابلة، يشرح أنيس سبب عدم إعجابه بزامل، ابشر بعزّك يا سّيدي.[v]

أنيس: بالله، أنا فقط … هذا (الزامل) لا يرضيني لأنه، ماذا أقول لك، الكثير من الأطفال الذين استمعوا إلى هذا الزامل، ثم ذهبوا إلى الجبهات، وذهبوا إلى حتفهم. هناك آخرون، بعضهم كانوا أصدقائي، قالوا لي إنهم سيذهبون إلى الجبهة، جبهة الحوثيين، وعلموهم الزوامل وما إلى ذلك إلى آخره. وعلموهم أنهم سيذهبون إلى الجنة إلى آخره. بعد ذلك، ندموا. لقد ندموا على ما كانوا يفعلونه معهم (pers. Comm.).

هنا أنيس يصور لي أن الناس لا يجلسون مكتوفي الأيدي يفكرون في الزامل. بدلاً من ذلك، يحفز الزامل فعلًا مختلفًا – الانضمام إلى الحوثيين كمقاتل بعد أن يعرفوا المزيد من الزوامل. عندما طلبت مزيدًا من الإيضاح حول سبب اختيار هؤلاء الأشخاص للقتال، قال: “لأنني أخبرتك، لديهم برنامج أو لديهم كلمات يعلمونهم إياها. أشياء غير موجودة في كتاب أو في أي شيء آخر من أجل جعل الشخص أو عقله أو دماغه، يندمج معهم ” ( pers. Comm.).

يواصل أنيس الحديث عن موضوع الزامل باعتباره جزءًا من عملية أكبر لأسر أدمغة اليمنيين. في هذه العملية، مرة أخرى، يكون الدماغ أو العقل، بما يعني ضمنيًا العقل أو المنطق، هو المسيطر عليه من قِبل الحوثيين. تأتي كلمة (يندمج) من جذر دال – ميم – جيم، الذي يحمل معاني تتعلق بشيء أو شخص يصبح جزءًا من كل أكبر. بمعنى “يجب إدراجه، يتم دمجه (في) ؛ يتم إلحاقه (ضمن)؛ دمجه (مع)، يتم ابتلاعه، يتم امتصاصه” (Wehr 1994 : 337) فكرة الاستيعاب مؤثرة بشكل خاص في هذه الحالة، لأنها تعني أن الدماغ أو العقل يصبح مشبعًا، حتى يتم تحويله. لا تزال فكرة كون شيئاً ما مناسبًا يتردد صداها مع هذا المعنى، لأنه كما تدل على أن تصبح جزءًا من كل أكبر، وأن تتناسب مع شيء أكبر. وكل هذه الكلمات لوصف علاقة الهابيتوس مع الزامل، سواء كانت استيعابًا أو ملائمة، تشير إلى أهمية قدرة الهابيتوس على الاندماج مع الزامل والعكس صحيح. مرة أخرى، نرى أهمية هابيتوس في كيفية قدرة الزامل على الإقناع وما هي ردود الأفعال التي يقوم بها الناس ردًا على ذلك.

أود أن ألفت الانتباه إلى الاقتباس الأخير من أنيس حيث كنا نناقش الزامل “الله أكبر! ترفع المعنوايت” ((2017 فيما يلي كلمات الزامل بعد ذلك الاقتباس:  


أداء: عيسى الليث
كلمات: محمد الداهية

الله أكبر ترفع المعنويات
الله أكبر رددي ياسرايا

حنا تجندنا لرب السماوات
كتايب القائد لخوض المنايا

لو السماء تمطر قنابل ذكيات
والارض تتفجر شظايا.. شظايا

والنار تشعل من جميع المجرات
والزحف حولي من جميع الزوايا

يشهد علينا الله في كل الاوقات
نغزي نجرعهم كوؤس المنايا

هيهات منا الذل هيهات هيهات
بعنا من الخالق بصدق النوايا

عندما ضغطت على أنيس ليشرح لي ما الذي يجعل هذا الزامل قوياً أجاب:

أنيس: الكلمات، الكلمات، عندما… تدخل القلب. عندما ، عندما تقول ، عندما تقول “لو السما تمطر قنابل ذكيات” .

أنيس: لكن انظر، نحن ضد المشاكل ولكن هناك بعض الأشياء، هناك أشياء غير مناسبة يمارسها التحالف على جميع اليمنيين (pers.com).

هنا نرى تقاطع طرق الزامل كممارسة قومية، قوة عاطفية، وشيء يناسب المستمع. السطر الذي اقتبسه عن القنابل الذكية هو إشارة مباشرة إلى الضربات الجوية الكثيفة على الأرض المسيطر عليها من قبل الحوثيين. الملفت للنظر أن أنيس ينطق كلمة “اليمن” هنا بدلا من جماعة الحوثي. على الرغم من أنه لا ينتمي إلى الحوثيين فهو يعتبر الغارات الجوية هجوماً على اليمن بشكل عام وليس على الحوثيين بشكل خاص. طبعاً لا يوافق الكل على هذا الاعتبار ولكن ينبغي أن نفهم قصده. في الوقت الذي قمنا بالمقابلة، كانت الغارات الجوية هي أحد الأسباب الرئيسية لوفيات المدنيين في اليمن. يرى أنيس أن بعض الأعمال، مثل قصف مدينته، تضر بالشعب اليمني بأكمله. بالنسبة له، هذا استنتاج منطقي وعاطفي. كما أشرت سابقًا، يعيش أنيس ومنى في صنعاء التي تتعرض لتهديد دائم، حيث يسمعون القنابل تنفجر في كل مكان حولهم، ولا يعرفان أبدًا ما إذا كانا سيصبحان الضحيتين التاليتين. يرويان لي قصصًا عن وضع أطفالهم في خزانة الملابس على أمل أن تحميهم جدرانها. كل هذه الممارسات، مثل الاضطرار إلى اصطحاب طفلك وتهدئته ووضعه في خزانة ملابس خشبية من أجل سلامته، توثر وتتأثر بالهابيتوس. يمكن لهذا الشطر من الزامل أن يثير كل هذه الذكريات والتجارب في أنيس، وينشط الانفعال. لقد اعتاد الهابيتوس الخاص به على الزامل كشكل من أشكال الفن وتفاعل معه بشكل متصاعد فيما يتعلق بالظروف الاجتماعية التي يجد نفسه فيها الآن. هو شخص يمني يعيش في منطقة حرب. لا يذهب للقتال، لكنه يوضح المصاعب التي يتحملها. كما أنه يشاركني كيف أن الزامل يتناسب مع عالمه، ويروي نظرية من نظريات الجسد.


 الهوامش:

 

[i] تم تحرير المقابلة من أجل الوضوح.

[ii] الهابيتوس هو مفهوم يطلق عليه السجية التي تنشأ في الإنسان نتيجةً لأنشطته وتجاربه اليومية وهي التي توجه السلوك توجيهاً عفوياً.

[iii] ، في حالة التسجيلات بدلاً من العروض الحية، يمكن التلاعب بصوت الفرد ليبدو كمجموعة، كما هو الحال في العديد من الزوامل المنشورة على YouTube.

[iv] القات هو ورق منبه يمضغ عادة في اليمن والقرن الأفريقي. يمضغ القات في المناسبات الاجتماعية حيث يمضغه الناس معًا.

[v] السيد: تعني من نسل النبي، وهنا يشير إلى عبد الملك الحوثي.


المراجع

Adra, Najwa. 1998. “Dance and glance: Visualizing tribal identity in Highland Yemen.”Visual Anthropology 11, no. 1-2: 550-102.

Ahmed, Sara. 2004. “Affective Economies.” Social Text 22, no. 2:117-139.

Alwazir, Atiaf. 2015. “The Yemeni Uprising: A Product of Twenty Years of Grassroots Mobilization.” The Oxford Handbook of Contemporary Middle-Eastern and North African History. Oxford: Oxford University Press.

Bhabha, Homi K. 1990. “DissemiNation: time, narrative, and the margins of the modern

nation.” In Nation and Narration, edited by Homi K. Bhabha, 291-322. London and

New York: Routledge.

Bourdieu, Pierre. 1990. The Logic of Practice. Stanford, Calif.: Stanford University Press.

Brandt, Marieke. 2017. Tribes and Politics in Yemen: A History of the Houthi Conflict. New York: Oxford University Press.

Caton, Steven Charles. 1990. Peaks of Yemen I Summon: Poetry as Cultural Practice in a North Yemeni Tribe. Berkeley: University of California Press.

Dresch, Paul. 2002. A History of Modern Yemen. Cambridge: Cambridge University Press.

Haider, Najam. 2010. “Zaydism: A Theological and Political Survey.” Religion Compass 4, no. 7: 436–442.

Jackson, Shannon. 1996. “Civic Play-Housekeeping: Gender, Theatre and American Reform.” Theatre Journal 48, no. 3: 337–361.

Johnson, Patrick E. 2006. “Black Performance Studies: Genealogies, Politics, Futures.” In The SAGE Handbook of Performance Studies, 446–63. Thousand Oaks: SAGE Publications, Inc. https://doi.org/10.4135/9781412976145.

Madison, D. Soyini. 1993. “‘That Was My Occupation’: Oral Narrative, Performance, and Black Feminist Thought.” Text and Performance Quarterly 13, no. 3: 213–232. https://doi.org/10.1080/10462939309366051.

Miller, Flag. 2007. The Moral Resonance of Arab Media. Cambridge MA: Harvard Center

for Middle Eastern Studies.

Ngũgĩ wa Thiong’o. 2014.  Globalectics: Theory and the Politics of Knowing. New York: Columbia University Press.

Ong, Walter J. 1982. Orality and Literacy: The Technologizing of the Word. London and New York: Methuen.

Porter, Hannah. 2020. “A Battle of Hearts and Minds: The Growing Media Footprint of Yemen’s Houthis”. The International Forum. 1 June. Accessed 14 June 2020.

Stewart, Kathleen. 2007. Ordinary Affects. Durham, NC: Duke University Press.

Sumner, Emily. Forthcoming. “The Houthi Zamil: Folk Literature or Propaganda?” in The Houthi Movement in Yemen: Ideology, Ambition and Security in the Arab Gulf, edited by Abdullah Hamidaddin. London: I.B. Tauris.

Taylor, Diana. 2003. The Archive and the Repertoire: Performing Cultural Memory in the Americas. Durham, NC: Duke University Press.

Vom Bruck, Gabriele. 2010.  “Regimes of Piety Revisited: Zaydī Political Moralities in Republican Yemen.” Die Welt Des Islams 50, no. 2: 185–223.

Weeden, Lisa. 2008. Peripheral Visions. Chicago: University of Chicago Press.

Wehr, Hans. 1994. A Dictionary of Modern Written Arabic: (Arabic-English). 4th edition. Ithaca, NY: Spoken Language Services.

Young, Harvey. 2010. Embodying Black Experience Stillness, Critical Memory, and the

Black Body. Ann Arbor: University of Michigan Press.

أحمد الشامي. 2007. قصة الأدب في اليمن. صنعاء: مكتبة الإرشاد.

أسامة الروحاني وإياد أحمد.  2018. “ضرورة بناء شرعية الدولة في اليمن.” مركز صنعاء، 30 سبتمبر، تم الوصول إليه بتاريخ 12 يونيو 2020. https://sanaacenter.org/ar/publications-all/main-publicationsar/6499.

 

أفراح ناصر. 2016. “تعرّفوا على فن الزامل، وحرب الأغاني في اليمن.” رصيف عدد 22. 26 مارس. تم الوصول إليه بتاريخ 14 يونيو 2020.

تمّام طعمة. 2019. “شعر الحماسة في العصر الجاهلي.” سطور. .شعر_الحماسة_في_العصر_الجاهليhttps://sotor.com/

جمال حسن. 2018. “زوامل الحوثيين في الحرب”. العربي الجديد ، 18 فبراير. تم الوصول إليه في 12 يونيو 2020. https://www.alaraby.co.uk/entertainment/2018/2/18/أناشيدالحوثيينفيالحربالزواملأولالمعركةوآخرها

.

حسام ردمان. 2021. “تحت المجهر: كيف ضَلَّ الموت طريقه في مطار عدن.” مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية. 19  يناير. تم الوصول إليه 17  مارس 2021. https://sanaacenter.org/ar/publications-all/analysis-ar/12952.

زيد مطيع دماج. 1984. الرهينة. بيروت: دار الاداب.

صالح الحارثي. 2004. الزامل في الحرب والمناسبات. صنعاء: الجمهورية اليمنية، وزارة الثقافة والسياحة.

فتى صنعاء الثائر. 2015. “زامل صنعا بعيدة قولوا له الرياض اقرب. يوتيوب، 31 ديسمبر. تم الوصول إليه بتاريخ 15 يونيو 2020. https://www.youtube.com/watch?v=3tRFJdzQwZw.

ماجد المذحجي. 2020. “محافظة البيضاء، استراتجية أهم من أن تُنسى.” مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية. 4  يونيو. تم الوصول إليه بتاريخ 15 يونيو 2020. https://sanaacenter.org/ar/publications-all/the-yemen-review-ar/10195.

مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية. “.2020هل يدفع فيروس كورونا باليمن إلى الهاوية؟” تقرير اليمن، مايو 2020. تم الوصول إليه بتاريخ 14 يونيو 2020.https://sanaacenter.org/ar/publications-all/the-yemen-review-ar/10195.

المقاتل اليمني. 2015. “الحوثيون يرقصون البرع داخل  مدينة الربوعة السعودية.” يوتيوب، 3 ديسمبر. تم الوصول إليه بتاريخ 15 يونيو 2020.
https://www.youtube.com/watch?v=bWuKei4OX3Q.

زامل وشيلة الله اكبر تُرفع المعنويات 2018 أداء “عيسى الليث” يوتيوب 2:10. تم نشره بواسطة وارث المراجل. 4 نوفمبر، https://www.youtube.com/watch?v=x_cZiM_nWIk.

 

إميلي سومنر

إميلي سومنر باحثة في مركز العربية السعيدة للدراسات، وهي وطالبة دكتوراه في الأدب العربي والثقافة والإعلام في جامعة مينيسوتا بالولايات المتحدة الأمريكية، حصلت على ماجستير في ذات التخصُّص عام ٢٠١٩م. حلّلت أطروحة الماجستير الخاصة بها السجال الشعري بين شعراء اليمن والسعودية على مواقع التواصل الاجتماعي. يتتبع بحثها الحالي في مرحلة الدكتوراه تحول الشعر اليمني في سياق الحرب وتجلياتها في الحياة اليومية.

One comment

  • Mansoor

    1 مايو، 2021 at 5:24 م

    Awesome study..

    Reply

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

مقر المركز
تابعونا على وسائل التواصل الاجتماعي

الاشتراك في النشرة البريدية

    جميع الحقوق محفوظة ©  لدى مركز العربية السعيدة للدراسات 2021

    Open chat