دراساتجماعة الحوثي.. الخسائر والمكاسب من تنفيذ اتفاق الرياض

يجادل الباحث في هذه الورقة بأن ما يمثِّل مكسبًا للتحالف بقيادة السعودية والأطراف اليمنية المرتبطة به، لا بد أن يمثِّل في الوقت نفسه خسارة للحوثيين وحلفائهم الإيرانيين.

 

محمد عبدالله محمد

ملخَّص تنفيذي

 

انقضى أكثر من عامين منذ أبرمت الأطراف اليمنية المرتبطة بالتحالف الذي تتزعمه المملكة العربية السعودية في اليمن، اتفاقًا لتقاسم السلطة، وإعادة ترتيب الأوضاع السياسية والأمنية في المحافظات الواقعة خارج نطاق سيطرة جماعة الحوثي الموالية لإيران.

ففي 5 نوفمبر 2019، شهدت الرياض، برعاية العاهل السعودي سلمان بن عبدالعزيز، مراسيم التوقيع على اتفاق سياسي ضم ممثلًا عن الحكومة اليمنية، وينضوي في إطارها عدد من القوى والأحزاب اليمنية، وممثلًا عن المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو منظمة تأسست عام 2017 بمشاركة قيادات تطالب بانفصال الجنوب عن الشمال. المنظمة مدعومة بشكل أساسي من دولة الإمارات العربية المتحدة، العضو الثاني في التحالف.

الوثيقة، التي تواضع الجميع على تسميتها بـ”اتفاق الرياض”[1]، نَصَّتْ على تشكيل حكومة جديدة مكونة من 24 وزيرًا مناصفة بين الشمال والجنوب، في غضون شهر من تاريخ التوقيع، وأن تمارس هذه الحكومة أعمالها من عدن، وإعادة دمج وتنظيم جميع الفصائل المسلحة تحت قيادة وزارتي الدفاع والداخلية. كما نص الاتفاق على عودة القوات الموالية للرئيس عبد ربه منصور هادي وقوات المجلس الانتقالي، إلى مواقعها السابقة لأحداث العنف التي تفجَّرتْ بين الجانبين في عدن، في أغسطس 2019. وأكد الاتفاق على تسوية الوضع الأمني والعسكري في تلك المناطق، وتعيين محافظ لكلٍّ من محافظتي عدن وأبين.

في البداية، كان على جماعة الحوثي أن تقلق، لأن المناوئين لها بدوا كأنهم قد عقدوا العزم على وضع خلافاتهم العميقة، التي تتغذَّى الجماعة عليها، جانبًا، والتفرُّغ للمعركة ضدها في خندق واحد.

لكن هذا القلق لم يدم طويلًا.

فإلى جانب أن الأوان كان قد فات على معالجة ذلك الصدع في الصف العريض المناوئ للحوثيين، والذي كان قد تحول قبل التوقيع على الاتفاق إلى صدام مسلح في عدن وأبين وشبوة، فإن الكثير من نصوص “اتفاق الرياض” اتسمت بالغموض والقابلية السهلة للتأويل المتعدد، وهي الثغرة التي منها تتسرب الخلافات المؤدية إلى مماطلة الأطراف في الامتثال لما تم التوقيع عليه.

نجادل هنا بأن ما يمثِّل مكسبًا للتحالف بقيادة السعودية والأطراف اليمنية المرتبطة به، لا بد أن يمثِّل في الوقت نفسه خسارة للحوثيين وحلفائهم الإيرانيين.

فمن المتفق عليه أن تقوية مركز الحكومة اليمنية من خلال تعزيز نفوذها وتحسين الأوضاع الأمنية والاقتصادية في مناطق سيطرتها، من شأنه أن يفقد رواية الحوثيين عن الفشل الحكومي باعتباره عنصرًا أساسيًا من عناصر قوتها.

كما نجادل أن إنهاء الانقسام في الجبهة المناوئة للحوثيين سيقود إلى نتائج عسكرية ميدانية مباشرة تعمل على تقليص مساحة الأراضي الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وهو ما سيخلق لدى الحوثيين شعورًا متزايدًا بأهمية الذهاب إلى حلول سياسية.

 

مقدمة

تتناول هذه الورقة ما يفترض أن تكون خسائر جماعة الحوثي من تنفيذ “اتفاق الرياض”، وهذا يعني بالضرورة الوقوف على مكاسب الجماعة من الإخفاق في تنفيذه.

سنعتمد في استخلاص النتائج على خلفية تاريخية موسعة نبيِّن من خلالها إلى أي مدى لعب الانقسام الوطني دورًا في صعود الجماعة وتنامي قوتها.

تأتي أهمية الورقة من كونها تعالج الأزمة والحرب في اليمن من زاوية غير مطروقة بكثرة تتعلق بالآثار التي قد تنعكس على الحوثيين بسبب تنفيذ أو عدم تنفيذ “اتفاق الرياض”.

وعلى الرغم من أن جماعة الحوثي لم تكن طرفًا في “اتفاق الرياض”، إلا أن ما تمثّله الجماعة كعدو مشترك بالنسبة لبقية الأطراف اليمنية هو الذي دفع هذه الأطراف إلى القبول بالتوافق على أرضية موحَّدة تمكنها من مواجهة هذا “العدو”.

وبما أنه ليس للحوثيين، كما يبدو، منفعة أو مكسب ظاهر من تنفيذ الاتفاق، فسوف ينصب تركيزنا على استنتاج خسائرهم المتوقَّعة من تنفيذ الاتفاق الذي هو عبارة عن تدبير سياسي طارئ لاحتواء التصدعات الخطرة التي أصابت الجبهة اليمنية المنخرطة، منذ قرابة 7 سنوات، برعاية من السعودية والإمارات، في الحرب ضد الحوثيين المدعومين من إيران.

بيد أننا سنحاول عدم التغاضي عن احتمال آخر مفاده أن مكسبًا غير مباشر قد يعود على مساعي السلام الشامل من أي تنفيذ حقيقي لـ”اتفاق الرياض” في المستقبل، هذا المكسب يتمثل في تقليص عدد أطراف الحرب في اليمن إلى طرفين اثنين: الحوثيين من جهة، والحكومة الشرعية من جهة أخرى. وهو ما يوفر سبيلًا أفضل إلى السلام، على اعتبار أن التفاوض بين طرفين سيكون أسهل قليلًا مما لو جرت العملية بين أطراف متعددة مختلفة التوجهات والأهداف.

تنطلق الورقة من الافتراض البسيط، وهو أن تنفيذ “اتفاق الرياض” من شأنه أن يضع حدًا للانقسامات التي، إلى جانب كونها مصدرًا تقليديًا من مصادر قوة الحوثيين، فهي أيضًا تشجع الحوثيين على التعنت والهروب من الحلول السياسية، وتجعلهم أكثر ميلًا لمواصلة العنف لتحقيق سيطرة شاملة على البلاد، وهي سيطرة تبدو لهم، بفضل انقسام خصومهم، ممكنة التحقُّق مع قليل من الصبر والوقت.

 

خلفية تاريخية

جماعة الحوثي، المعروفة أيضًا باسم “أنصار الله”، هي حركة إحياء ديني وسياسي زيدي. وقد ظهرت إلى الوجود على مراحل ابتداءً من مطلع تسعينيات القرن الماضي، عندما قام ناشطون زيديون بتأسيس “منتدى الشباب المؤمن”، وهو عبارة عن هيئة تنظيمية وضعتْ على عاتقها مهمة إحياء الموروث الديني للمذهب الزيدي في مواجهة تيارات دينية منافسة.

كان حسين بدر الدين الحوثي أحد المشاركين في نشاط هذا المنتدى، لكنه مع مرور الوقت اختط لنفسه طريقًا منفصلًا أدى في النهاية إلى تذويب معظم المتأثرين بنشاط “الشباب المؤمن” في تيار زيدي أكثر راديكالية وتطرفًا[2].

ترتكز الحركة الحوثية في صميم أدبياتها وأنشطتها وأساليبها، إلى التقليد السياسي للمذهب الزيدي الذي بقي مهيمنًا لقرون طويلة في المرتفعات الشمالية من اليمن. والمذهب الزيدي هو إحدى الفرق الثلاث الرئيسية للشيعة في العالم الإسلامي: الإمامية الجعفرية، الإسماعيلية، الزيدية.

اعتمد وجود الزيدية لزمن طويل في أجزاء معينة من اليمن، على بقاء تنظيم سياسي شبيه بالدولة يدعى “الإِمَامَة”، والمفهوم الزيدي لـ”الإِمَامَة” يشير إلى سلطة عامة مزدوجة روحية وزمنية. ولـ”الإِمَامَة الزيدية” شروط يأتي على رأسها النَّسب، وهذا يعني أن “الإِمَام” يجب أن يكون من العائلات التي تدعي انتسابها إلى آل بيت النبي محمد من نسل علي بن أبي طالب وزوجته فاطمة ابنة النبي محمد. لهذا السبب يحرص الحوثيون اليوم على الترويج للعوام بأن زعيمهم عبدالملك الحوثي من ذرية النبي محمد.

في القرن التاسع الميلادي تم تأسيس أول “إِمَامَة زيدية” في شمال اليمن. وعلى مدى أحد عشر قرنًا، تناوبت “الإِمَامَة” خلالها بين الاستمرار والانقطاع.

من المفيد التذكير بعدد من التواريخ المرجعية لمنعطفات وأحداث مفصلية معاصرة، داخلية وخارجية، كان لها دور في مسيرة تشكل الحوثيين السياسي والعسكري والأيديولوجي.

ملخّص بأهم التواريخ:

  • ثورة 26 سبتمبر 1962 التي أطاحت بنظام “الإِمَامة الزيدية” (الثيوقراطي)، وأعلنتْ قيام النظام الجمهوري. ومع أن الحوثيين لم يظهروا على المشهد السياسي اليمني إلا بعد نحو أربعة عقود من تلك الثورة، فهذا لا ينفي أن أهداف وأيديولوجية الجماعة متأثرة بشدة بذلك الحدث[3]. التركيب الداخلي للجماعة من القاعدة إلى القمة، يكشف بأكثر من طريقة عن جذور حية تربطها بالاتجاه التاريخي الزيدي المتضرر في صميمه من إسقاط حكم الإمامة وتأسيس النظام الجمهوري.
  • الثورة الإسلامية الإيرانية 1979، بقيادة رجل الدين الشيعي الراحل آية الله الخميني. مذهبيًا، الحوثيون ينتمون إلى الزيدية، وهي فرقة شيعية مختلفة عن الفرع الشيعي السائد في إيران. غير أن الثورة الإسلامية في إيران، زودت المجموعات الشيعية في العراق والشام والجزيرة العربية، بما في ذلك التيار الزيدي الإِمَامِي في اليمن، بالإلهام السياسي، ثم قامت الحكومة الإسلامية في إيران تدريجيًا بمنح هذه الجماعات الرعاية التي تنقصها.
  • الغزو الأمريكي للعراق 2003، والذي تسبب في تفكيك مؤسسات الدولة العراقية المجاورة لإيران. كان ذلك في نظر كثير من المراقبين بمثابة هدم بدون تعويض للجدار القوي الذي كان يعترض طريق الموجة الشيعية الجديدة التي كانت على أهبة الجاهزية للتحرُّك بوحيٍ من التجربة الإيرانية. في اليمن، تفاعلت حركة سياسية زيدية ناشئة بزعامة حسين الحوثي، مع الغزو الأمريكي، على نحو مختلف تمامًا عن موقف الجماعات الشيعية العراقية التي استحسنت إسقاط نظام البعث، ولو تم ذلك على يد الأمريكيين. وعمليًا كانت تلك الجماعات أكبر المستفيدين من الغزو.

فقد وجدت هذه الحركة، وهي النواة التي تطورت منها جماعة الحوثي، في المناخ الذي أشاعه الغزو الأمريكي للعراق في المنطقة، فرصة مواتية لدعم حضورها من خلال الدعوة إلى التظاهر أمام السفارة الأمريكية في صنعاء، ورفع شعارات منددة بأمريكا وإسرائيل في المساجد، لاسيما في الجامع الكبير في صنعاء القديمة، حيث تنقل الإذاعات المحلية وقائع صلاة وخطبة الجمعة منه، الأمر الذي دفع الحكومة اليمنية إلى شن حملة اعتقالات طالت العشرات من أعضاء الحركة.[4]

كانت تلك واحدة من الشرارات الأولى التي أشعلت، لاحقًا، حروب صعدة. ولم يكن التعاطف مع النظام العراقي هو الذي يحرك أولئك الحوثيين الأوائل، فنظرتهم لحكم صدام حسين لا تكاد تختلف عن نظرة الجماعات الشيعية في العراق وإيران، بل الحاجة الخاصة لاستمالة المزاج الشعبي اليمني من خلال شعارات العداء لأمريكا واليهود، المستوحاة من الثورة الإسلامية الإيرانية.

  • سلسلة حروب صعدة الست التي دارت رحاها بين القوات الحكومية والمتمردين الحوثيين. بدأت الجولة الأولى من الحرب في 2004 عندما رفض حسين الحوثي (1959-2004) تسليم نفسه للسلطات التي كانت قد تلقت معلومات متواترة عن أنشطة قالت إنها تزعزع الأمن في منطقة مران التابعة لمحافظة صعدة[5]. وبالفعل، في ذلك الوقت، كان حسين الحوثي، وهو الشقيق الأكبر لزعيم جماعة الحوثي الحالي، يتحوُّل شيئًا فشيئًا إلى بؤرة استقطاب ساخنة مناوئة للحكومة المركزية ونظام الرئيس الراحل علي عبدالله صالح الذي لقي مصرعه بعد سنوات طويلة على يد الحوثيين، في ديسمبر 2017، إثر انهيار التحالف الذي بدأه معهم رسميًا منذ العام

أسفرت الجولة الأولى من حروب صعدة عن مقتل زعيم التمرد حسين الحوثي، برصاص الجيش اليمني، في جبال مران. لكن ما لبثت الحرب أن تجددت بعد أشهر، حيث استلم راية التمرد الزيدي عبدالملك الحوثي؛ الأخ الأصغر لحسين الحوثي، وذلك بتشجيع من والده المرجعية الزيدية بدر الدين الحوثي الذي توفي عام 2010. ثم أعقب ذلك أربع جولات إضافية من الحرب، كان آخرها عام 2009.

  • انتفاضة 11 فبراير 2011، التي اندلعت ضد نظام الرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح. انضم الحوثيون إلى تلك العملية الثورية، وشاركوا كأقلية في ساحات الاحتجاج في صنعاء وعواصم المحافظات الشمالية، مع تمسّكهم بوضعيتهم المعتادة في صعدة كجماعة مسلحة متمردة على الدولة المركزية. أجبرت تلك الانتفاضة “صالح” على تسليم السلطة لنائبه عبد ربه منصور هادي الذي تم التصويت له في فبراير 2012 عبر انتخابات بمرشح وحيد.

كان انتقال السلطة محكومًا بما سميت المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، وهي وثيقة تم التوقيع عليها في العاصمة السعودية الرياض، في 23 نوفمبر 2011، وافق صالح بموجبها على التنحي سلميًا عن السلطة[6]. نصت المبادرة على تقاسم الحكومة مناصفة بين أطراف أزمة عام 2011، وهم: المؤتمر الشعبي العام، وهو الحزب الحاكم منذ تأسيسه عام 1982 برئاسة علي عبدالله صالح، وأحزاب اللقاء المشترك، وهي ائتلاف معارض يضم حزب الإصلاح الإسلامي والحزب الاشتراكي اليمني وعددًا آخر من الأحزاب الصغيرة. بينما بقيت ثلاث قوى صاعدة لم تشملها المبادرة الخليجية، وهم المتمردون الحوثيون في الشمال، والحراك الجنوبي الانفصالي، وتنظيم القاعدة.

كان الفشل في تنفيذ المبادرة الخليجية يهيِّئ لواقع يمني مضطرب، هو عبارة عن مزيج من هشاشة الدولة والفراغ السياسي والأمني، مع حالة غير مسبوقة من الانقسام الوطني وانعدام الثقة. استمرت هذه الأوضاع في التدهور إلى اللحظة التي انقض فيها الحوثيون على العاصمة، في 21 سبتمبر 2014، مستفيدين من مجموع الظروف الناجمة عن الفشل السياسي والوطني خلال المرحلة الانتقالية.

وقد استخدم الحوثيون كلمة “ثورة” لوصف مجمل تحركاتهم التي انتهت بالاستيلاء على صنعاء، فكلمة ثورة كانت قد أصبحت رائجة بتأثير من موجة الربيع العربي، ولم يكن الحوثيون قبل ذلك التاريخ يطلقون على تمردهم المسلح في صعدة هذا الوصف.

 

الانقسام يمهِّد طريق الحوثيين إلى صنعاء

تشير الدلائل إلى أن حالة شديدة من الانقسام الوطني، الذي بلغ ذروته في 2011، هي التي مهَّدت طريق الحوثيين إلى صنعاء، وقادت، في نهاية المطاف، إلى الحرب الشاملة التي تعصف بالبلاد منذ سبع سنوات، وتسبَّبتْ في أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

في الفترة بين مارس 2013 ويناير 2014، شهدت صنعاء أعمال ما سُمِّي “مؤتمر الحوار الوطني الشامل”، الذي التأمَ بناءً على ما جاء في المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية. انعقد المؤتمر بأهداف طموحة تتعلق بالدولة والنظام السياسي وعدد من القضايا الوطنية المتنازع عليها، وبمشاركة من كل التيارات الفاعلة على الساحة اليمنية. ورغم معارضة الحوثيين والحراك الجنوبي الانفصالي للمبادرة الخليجية، التي اعتبرها الحوثيون “خيانة” لثورة 2011 و”التفافًا” عليها[7]، إلا أن هذا لم يمنع هذين الطرفين من الموافقة على المشاركة في أعمال المؤتمر الذي دعت إليه المبادرة.

لكن، وبينما كان ممثلو جماعة الحوثي (المدنيون) في مؤتمر الحوار الوطني، يقدمون تصوراتهم حول مجمل القضايا مثار النقاش، كانت المجاميع المسلحة التابعة للحوثي في محافظات شمال الشمال (صعدة وحجة وعمران)، تخوض معارك عنيفة لإزاحة الخصوم المحليين تمهيدًا للذهاب باتجاه العاصمة.

كانت الهوة النفسية بين الأطراف الموقعة على المبادرة الخليجية سحيقة: فمن جهة كانت أحزاب اللقاء المشترك، ومعها قيادات عسكرية وقبلية موالية لحزب الإصلاح، ترى نفسها الممثلة الحقيقية لقوى الثورة ضد “صالح” ومن تسميهم “فلول النظام القديم”، وفي الجهة المقابلة حزب المؤتمر الشعبي العام، برئاسة صالح، والذي كان يرى نفسه ممثلًا لـ”الشرعية الدستورية” والمدافع عن الدولة والنظام ضد من يسميهم قوى “التخريب” و”العمالة” لـ”الخارج المتآمر”.

وكان من الواضح أنّ الطرفين وقَّعا على المبادرة الخليجية مع احتفاظ كل منهما بوجهة نظره ونواياه وخطابه العدائي. وفي مواجهة الضغوط الأممية والدولية الهائلة، لجأت الأطراف كلها إلى التظاهر بالالتزام ببنود المبادرة. وكانت الفترة الانتقالية مصبوغة بالتبادل اليومي للاتهامات بعرقلة وإفساد العملية السياسية.

انتهى مؤتمر الحوار الوطني بصياغة وثيقة نهائية، كانت أشبه بمخطط أكاديمي لدولة فاضلة على الورق، أطلق عليها اسم “مخرجات الحوار الوطني الشامل”[8].

أما خارج قاعات المؤتمر في فندق موفنبيك الفخم في العاصمة، فإن البلاد بأسرها كانت تغلي كالمرجل: وضع سياسي ملتهب يترافق مع انهيار اقتصادي خطير وقلاقل أمنية تعم البلاد، الحوثيون يحققون برنامجهم الخاص في السيطرة على المناطق بالسلاح، حيث أكملوا في المرحلة الأولى السيطرة على محافظة صعدة، وخاضوا معارك للسيطرة على مناطق تابعة لمحافظة حجة، ثم اتجهوا إلى مدينة عمران البوابة الشمالية للعاصمة، في حين كان تنظيم القاعدة يجتاح مدنًا ومراكز حكومية في جنوب اليمن (زنجبار وجعار وشقرة) وبعض مناطق الشمال (مناطق قيفة في رداع)، وينفذ تفجيرات انتحارية دامية وعمليات اغتيال منتظمة لضباط من الجيش والأمن، وبعض هذه الاغتيالات طالت قيادات حوثية “مدنية” أو مقربة من الحوثيين (على سبيل المثال: النائب عبدالكريم جدبان، الدكتور أحمد شرف الدين، وفي وقت لاحق تم اغتيال الدكتور محمد عبدالملك المتوكل، والصحفي عبدالكريم الخيواني).

وبينما كان موقف الدولة والقوات المسلحة اليمنية والقوى السياسية المختلفة واضحًا ومحسومًا حيال أنشطة تنظيم القاعدة، إذ قام الجيش اليمني مثلًا بين 2013 و2014 بحملات عسكرية برية وجوية ناجحة ضد مسلحي التنظيم في أبين وشبوة ولحج والبيضاء[9]، كان الموقف من أنشطة الحوثيين التوسعية بقوة السلاح قد أصبح، لاسيما خلال الفترة الانتقالية، موضع لبس وارتباك قانوني وسياسي وأخلاقي.

في تلك الفترة، كان الحوثيون يساعدون في تعزيز ذلك الالتباس العام بسبب تقديمهم صورة مزدوجة عن أنفسهم: وجه مدني مخادع في صنعاء ظل يركز على طرح خطاب المظلومية الزيدية والرغبة في الإنصاف من حروب صعدة الست، ووجهٌ آخر في صعدة وشمال صنعاء يحمل مسحة جهادية متطرفة وينطوي على طموح سياسي قديم مقموع.

بحلول نهاية 2014، كانت الصيغة السياسية الناشئة عن المبادرة الخليجية تلفظ أنفاسها الأخيرة. وقد سدد لها الحوثيون الضربة القاصمة بدخولهم صنعاء في 21 سبتمبر من العام نفسه، وسط أجواء من التخاذل والذهول والانقسام الحاد في المواقف والمصالح. ولم يتفق اليمنيون حتى الآن على رواية موحدة حول ما حدث في ذلك اليوم.

بعد قرابة ثلاثة أشهر من السيطرة على العاصمة، قام الحوثيون بفرض الإقامة الجبرية على الرئيس الانتقالي عبد ربه منصور هادي، الذي استطاع، بعد أسابيع، مغافلة الحراسة الحوثية في بوابة مسكنه، والفرار إلى عدن. لكن قوات الحوثيين قررت اللحاق به إلى عدن، في أواخر مارس 2015، وهو ما اضطر الرئيس هادي للفرار إلى العاصمة السعودية الرياض.

في 26 مارس، أعلن تحالف عسكري بقيادة السعودية عن عملية واسعة في اليمن تحت اسم “عاصفة الحزم”، تستهدف الحوثيين وقوات من الجيش اليمني قيل حينها بأنها موالية للرئيس السابق علي عبدالله صالح الذي صنفه التحالف كعدو واتهمه بالتآمر مع الحوثيين حلفاء إيران للسيطرة على البلاد وتهديد أمن دول الجوار. وقال التحالف إن عمليته في اليمن كانت استجابة لطلب تقدمت به حكومة هادي المعترف بها دوليًا.

في البداية، كان أكبر تحدٍّ يواجه التحالف بقيادة السعودية، يتمثل في تأمين موطئ قدم داخل الأراضي اليمنية للانطلاق منه ضد الحوثيين. وقد نجح في ذلك عسكريًا منذ الأشهر الأولى، حيث تم طرد الحوثيين من عدن والمحافظات اليمنية الجنوبية، بعد معارك ضارية، إلى جانب تمويل التحالف لمقاومة مسلحة ضد الحوثيين في مدينة تعز، أدت إلى تقسيم المدينة إلى شطرين، فضلًا عن إرسال وحدات برية إماراتية وبحرينية وغطاء جوي لإبعاد الحوثيين عن مأرب الغنية بالنفط والغاز، والتي كان القتال قد وصل إلى المدينة عاصمة المحافظة.

كان هذا تقريبًا هو الإنجاز العسكري الذي حققه التحالف في عامه الأول. غير أن نقطة ضعفه كانت سياسية وإدارية بامتياز، وهي التي ظلت تلاحقه إلى اليوم.

عند إطلاق عملياته، كان “التحالف العربي”، بقيادة السعودية، يتكون من تسع دول عربية، بعضها كانت مشاركتها رمزية فقط. لكن مع مرور الوقت، تقلَّص عدد الدول المنخرطة في التحالف، ولم يتبقَّ فعليًا في الوقت الحالي سوى السعودية، والسودان من خلال مئات الجنود، والإمارات التي غيرت هي الأخرى طبيعة وجودها وتأثيرها في اليمن منذ أن قررت سحب قواتها البرية، العام 2019.

وبما أن الحوثيين، خلال تحركهم للسيطرة على العاصمة والمحافظات، قد سحقوا في طريقهم قوى سياسية ومصالح وقيادات عسكرية ومدنية وقبلية، فمن الطبيعي أن تكون هذه القوى والمصالح والقيادات هي أول من يرحب بالتحالف السعودي، ويندرج تحت مظلته.

أبرز القوى التي أطاح بها الحوثيون، إلى جانب الرئيس الانتقالي عبد ربه منصور هادي، حزب الإصلاح الإسلامي (الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في اليمن) وحلفاؤه من الجيش بقيادة الجنرال علي محسن الأحمر، الذي فَرَّ إلى السعودية، في سبتمبر 2014، بعد هزيمته عند تصدي ما تبقى من قواته للحوثيين في شمال العاصمة.

وقبل ذلك، كان الحوثي قد انتهى من ضرب الزعماء القبليين من “آل الأحمر” في معاقلهم بقبيلة حاشد، ما دفعهم للفرار إلى خارج اليمن.

وهكذا انتقل أحد طرفي المبادرة الخليجية إلى صف “التحالف”.

وفي الوقت نفسه، انضوت تحت لافتة “التحالف” في قتال الحوثيين فصائل من الحراك الجنوبي والجماعات السلفية، وبقي في صنعاء الحوثيون الذين أمسكوا بالسلطة كأمر واقع، واستثنوا من العداء مؤقتًا الرئيس السابق علي عبدالله صالح وحزبه، وهو -كما ذكرنا- الطرف الثاني في صيغة المبادرة الخليجية الفاشلة.

وكانت شخصيات قيادية رفيعة من حزب الرئيس صالح قد التحقت بالرئيس هادي إلى الرياض، مُعلِنةً تأييدها للتدخل العسكري لـ”التحالف”.

في صنعاء، وجد ما تبقّى من حزب المؤتمر الشعبي، برئاسة صالح، نفسه يقاتل في خندق واحد مع أعدائه الحوثيين الذين خاضوا في مواجهة نظامه ست حروب دامية. شكل الطرفان، عام 2016، هيئة حكم سموها “المجلس السياسي الأعلى”[10].

لكن ما لبث حلف الضرورة أن تحطم، وهاجم الحوثيون مسكن الرئيس صالح وأردوه قتيلًا. التحق جانب كبير من أنصار “صالح” بصفوف المعادين للحوثي ضمن التحالف السعودي الذي بادر، في بداية 2018، إلى استقطاب العميد طارق صالح؛ نجل شقيق الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، بعد فراره من مناطق سيطرة الحوثيين، وتكليفه بتأسيس تشكيلات عسكرية تابعة له في المخا والساحل الغربي المطل على البحر الأحمر وباب المندب.

على الضفة المقابلة للحوثيين، كانت الأطراف المنضوية في إطار التحالف متباينة في الرؤى والمصالح والأهواء. بمجرد طرد الحوثيين من عدن في أغسطس 2015، راحت التناقضات تطفو على السطح تدريجيًا.

في المجمل، كان على الدول الخليجية الثرية المنخرطة في “التحالف” (السعودية والإمارات)، بثقافتها وتقاليدها السياسية الملكية، أن تتعامل بشكل مباشر مع واقع يمني مزعزَع، حيث كان قد اكتسبَ المزيد من التعقيد على خلفية انهيار وتفكك مؤسسات الدولة اليمنية المركزية التي تكونتْ عام 1990 من اندماج الجمهورية العربية اليمنية (في الشمال) وجمهورية اليمن الديمقراطية (في الجنوب).

لم يكن لدى القادة الخليجيين من المهارة السياسية والمعرفة ما يسمح لهم بالسيطرة على بلد فقير ومكتظ بالسكان (بين 25 و30 مليون نسمة) الذين ينتمون إلى ثقافة سياسية وخبرة تاريخية أقل ما يقال عنها أنها مختلفة تمام الاختلاف عن ذلك النسق من السياسة المعهود في الخليج.

 

انقسام ثانٍ يقوِّي جبهة الحوثيين

من الصعب أن نفهم قيمة “اتفاق الرياض” دون مراجعة سريعة للسياق التاريخي الذي أفضى إلى إبرام الاتفاق.

في مايو 2017، تم الإعلان، في عدن، عن تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا، بتواطؤ سعودي غامض الدوافع. كانت هذه الخطوة بمثابة تتويج لمسار خطير بدأ بعد إجلاء الحوثيين من عدن.

يضع مؤسسو هذا التكتل على قائمة أهدافهم استعادة دولة الجنوب على حدود ما قبل 1990، على الرغم من عدم وجود تكتل سياسي يدعي تمثيل الشمال كما يدعي المجلس الانتقالي تمثيل الجنوب[11].

وكان من الغريب أن تسمح السعودية للإمارات برعاية هذا التوجه الانفصالي الذي يتعارض مع الأهداف المعلنة لـ”التحالف”، ومنها الحفاظ على وحدة اليمن واستقراره وسلامة أراضيه.

ويتبنى المجلس الانتقالي الجنوبي السياسة الإماراتية المتشددة ضد الإخوان المسلمين، وكان هذا الموقف، إضافة إلى عوامل أخرى، يعني الصدام مع حزب الإصلاح في المحافظات الجنوبية، وخصوصًا عدن[12].

مع مرور الوقت، أصبح الرئيس هادي (وهو من أصل جنوبي)، وحزب الإصلاح وحلفاؤه العسكريون، يشكلون فريقًا -غير معلن- على ارتباط وثيق بالسعودية، ويعبرون عن موقف إيجابي تجاه الوحدة اليمنية، في مقابل الفريق الآخر المدعوم من الإمارات، والذي يتألف من انفصاليين جنوبيين وقيادات محلية جنوبية سلفية.

وعلى الرغم من أن السعودية والإمارات ترفضان رسميًا، حتى الآن، الاعتراف بوجود تباين في سياستهما المتبعة في اليمن، إلا أن من السهل ملاحظة أن إدارة ملف الحرب برؤيتين متناقضتين في نقاط حسَّاسة هو أحد العوامل الرئيسية لتعثُّر “التحالف”.

وتحول التناقض في الرؤية إلى تناقض في القوى على الأرض.

في الفترة بين 7 و10 أغسطس 2019، تعرَّضت المعسكرات الموالية للرئيس عبد ربه منصور هادي، التي يتمتع فيها حزب الإصلاح بنفوذ خاص، للهجوم والتفكيك والطرد من عدن، في هزيمة قاسية على يد قوات المجلس الانتقالي الجنوبي.

بحلول 26 و28 أغسطس، كانت القوات الموالية لـ”هادي” قد استعادت زمام المبادرة، وراحت، انطلاقًا من شبوة، تشن هجومًا مضادًا باتجاه أبين وصولًا إلى مداخل عدن، وتوغلت بالفعل في عدد من أحياء المدينة. لكن في 29 أغسطس، وفي خطوة مثيرة للجدل حتى اليوم، شن الطيران الحربي الإماراتي غارات جوية أجبرت الوحدات العسكرية التابعة للرئيس هادي على التراجع، في الوقت الذي كانت فيه على وشك استرداد مواقعها التي فقدتها في العاصمة المؤقتة عدن[13].

بالطبع، كان الحوثيون أكبر المستفيدين من تلك التطورات.

المصير القاتم في المحافظات التي استطاعت الإفلات مبكرًا من قبضة الحوثيين، كان دليلًا صارخًا على أن “التحالف” لن ينعم لوقت طويل بأي إنجازات عسكرية يحققها ضد الحوثيين مهما بلغ حجمها.

تم النظر إلى ما حدث في عدن باعتباره انقلابًا ثانيًا على الرئيس هادي والحكومة اليمنية الشرعية التي يقول “التحالف” إنه يخوض الحرب في اليمن بدعوة منها وفقًا للقانون الدولي، بعد انقلاب الحوثيين على هادي في سبتمبر 2014.

سارعت الرياض وأبوظبي إلى وقف الأعمال العدائية بين حلفائهما المحليين في عدن وأبين، عند هذا الحد.

تلقى المتحاربون اليمنيون دعوة إلى الانخراط العاجل في عملية سياسية برعاية السعودية، تشمل المناهضين للحوثي، وهي العملية التي نتج عنها “اتفاق الرياض”.

في البداية، كان الهدف من العملية السياسية -الجزئية بالنسبة للملف اليمني- يقتصر على احتواء الموقف العسكري الملتهب في عدن وأبين، وإعادة تطبيع الأوضاع هناك على نحو ما كانت عليه قبل المواجهات. إلا أن الطموح أخذ يتصاعد باتجاه الوصول إلى معالجة أعمق للمشكلة التي تعاني منها الجبهة المناهضة للحوثي، والمتمثلة في الاختلاف الحاد في المشاريع والرؤى والمصالح والارتباطات الخارجية، وهو ما يتجلى بوضوح في تعدد الفصائل المسلحة بصورة فوضوية مزعجة، وعدم انضباطها داخل بنية تنظيمية وقيادة موحَّدتين.

بهذه الطريقة، كان الهدف من “اتفاق الرياض” قد بات أكبر من القدرة على تحقيقه عن طريق التراضي والوفاق الطوعي، في ظل غياب إرادة عليا مهابة الجانب تضمن امتثال الأطراف لبنود الاتفاق.

السعودية تمتلك تأثيرًا قويًا على أطراف الاتفاق، ومع ذلك فهي تفضل، كما يبدو، الإبقاء على علاقة ودية مع الجميع طالما لم يجاهروا لها بالعداء.

إذا اعتمدنا على المظاهر، فالاتفاق أعاد تنسيق الموقف السعودي الإماراتي من القضية اليمنية.

على المستوى اليمني، الاتفاق يشكِّل إطارًا مرجعيًا لتنظيم العلاقة بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي الذي لم يتخلّ عن مطالبه بالانفصال، لكنه سمح بتأجيلها إكرامًا لرعاته الإماراتيين والسعوديين.

لم يولِ الحوثيين الاتفاق اهتمامًا كبيرًا، ليس لأنه لا يخصّهم، بل لإدراكهم أن فرص نجاحه ضئيلة. كتب محمد علي الحوثي، عضو ما يسمى “المجلس السياسي الأعلى” في صنعاء، معلِّقًا على الاتفاق، بـ”تغريدة” على حسابه في “تويتر”: “الاتفاق وإن كان لا يعني الشعب كونه بين طرفي عملاء العدوان، إلا أنه يؤكد عدم شرعية العدوان على اليمن”.

وحظي الاتفاق بترحيب الأمم المتحدة ومعظم دول العالم باستثناء إيران التي علقت بشكل عابر على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية، عباس الموسوي، أن “اتفاق الرياض بين حكومة منصور هادي والمجلس الانتقالي منقوص، ولن يسهم في حل أزمة اليمن ومشاكله”[14].

 

خسائر الحوثيين من تنفيذ الاتفاق

كل يوم يمرّ من الفشل في تنفيذ “اتفاق الرياض” يعني بالنسبة للحوثيين مكاسب جديدة على الأرض. وطوال المدة التي أعقبت التوقيع على “اتفاق الرياض” وحتى هذه اللحظة، وبسبب التعثر الواضح في تنفيذ الاتفاق، حقق الحوثيون نجاحات عسكرية متوالية سيطروا من خلالها على أراضٍ واسعة في شمال اليمن.

بحلول العام 2021، صعَّد الحوثيون من هجماتهم باتجاه مأرب، حيث سيطروا بالفعل على معظم مديرياتها، آخرها حريب والعبدية، ومديريتي الجوبة وجبل مراد. وكانت الصدمة عندما استعادوا، في سبتمبر الماضي، السيطرة على ثلاث مديريات في محافظة شبوة دفعة واحدة؛ عين وعسيلان وبيحان العليا. وهي المناطق التي كانوا قد خسروها عام 2018.

في الأشهر الأخيرة من العام 2021، أصبحت قوات الحوثيين تطرق أبواب مدينة مأرب الغنية بالنفط والغاز.

بناءً على ما تقدم، نستطيع من خلال عرض المكاسب التي كان يمكن أن يجنيها التحالف بقيادة السعودية، والحكومة اليمنية، من تنفيذ “اتفاق الرياض”، أن نستخلص في الوقت نفسه أهم الخسائر التي قد تلحق بالحوثيين.

وهذه أهم مكاسب “التحالف” والحكومة اليمنية من تنفيذ الاتفاق، والتي نشتقّ منها خسائر الحوثيين في المقابل:

  • يتمتع الحوثيون بوحدة في التنظيم وفي القيادة وفي الخطاب، وهي عناصر جوهرية ثلاثة تفتقر إليها الجبهة العريضة المدعومة من التحالف بقيادة السعودية. من المفترض أن “اتفاق الرياض” قد جاء لتلافي هذا النقص. وفي الحقيقة، لا شيء يمكن أن يقلق الحوثيين أكثر من هذا، رغم معرفتهم باستحالة حدوث هذا المتغير على المدى المنظور!
  • “اتفاق الرياض”، في حال تنفيذه، يسلب الدعاية الحوثية أهم عناصر قوّتها: فشل التحالف والحكومة الشرعية في إدارة وتأمين المحافظات “المحرَّرة”. على الرغم من العيوب الكثيرة التي ينطوي عليها الاتفاق، ومنها أنه يطرح بشكل صريح تقاسمًا للسلطة على أساس جهوي شمالي جنوبي، لأول مرة ربما منذ الفترة الانتقالية التي أعقبت مصادقة قيادتي الشمال والجنوب على الوحدة اليمنية الاندماجية في 22 مايو
  • تنفيذ “اتفاق الرياض”، يُضعِف الحوثيين سياسيًا من خلال تحسين مجمل أداء الحكومة اليمنية، إذ ينص الاتفاق على عودتها لممارسة أعمالها من العاصمة المؤقتة عدن “بشكل سلس يسمح بإدارة مواردها”، وهو ما يقلل من وتيرة التدهور الاقتصادي، وينتشل العملة الوطنية خارج مناطق سيطرة الحوثيين من الانهيار المتواصل.
  • “اتفاق الرياض” يؤكد على وحدة اليمن، ليس فقط لفظيًا، بل من خلال دمج الانفصاليين الجنوبيين مع “الوطنيين” الداعمين للوحدة في حكومة مشتركة، وأدى الوزراء من حصة المجلس الانتقالي الجنوبي اليمين الدستورية بحسب بروتوكول “الجمهورية اليمنية” التي لا يعترفون بها في الأساس. كل هذه المظاهر من شأنها أن تقلل من مصداقية سردية الحوثيين التي تتحدث عن مؤامرة يقف خلفها التحالف بقيادة السعودية والإمارات لتقسيم اليمن وإضعافه واحتلال الجزر والموانئ.
  • يستمد الحوثيون بعض شرعيتهم في مناطق سيطرتهم من المقارنة المستمرة مع الأوضاع الأمنية المتردية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية، حيث تنتشر الجريمة بأنواعها، لاسيما في عدن وأبين ولحج والشطر المحرَّر من مدينة تعز. تنفيذ “اتفاق الرياض”، الذي ينص على إصلاح قطاع الأمن وتنظيمه تحت قيادة وزارة الداخلية، من شأنه أن يجعل المقارنة لصالح الحكومة الشرعية.

لماذا يجعل اتفاق الرياضالسلام ممكنًا؟

فور التوقيع على “اتفاق الرياض”، كان الأكثر تفاؤلًا من المهتمين بالشأن اليمني، يرى فيه نهاية للتناقضات المستعصية التي ظلَّت توسع المسافة بين اليمنيين المتضررين من الحوثي، وبين السلام المنشود في بلادهم.

يستند المتفائل إلى قراءة مفادها أن “اتفاق الرياض” إذا ما طُبِّق بالكامل، فإنه يمكن أن يؤدي إلى السلام من خلال التالي:

  • إمّا هزيمة الحوثيين عسكريًا، وهذا يعني في النهاية انتزاع العاصمة صنعاء منهم. وذلك لأن الاتفاق ينص على توحيد جميع التشكيلات العسكرية في جنوب اليمن ودمجها في هيكلية وزارة الدفاع التي تتولى توجيهها في الجهد الحربي ضد الحوثيين.
  • أو الضغط العسكري على الحوثيين بشكل فعال لإنهاء سيطرتهم على المزيد من الأراضي والمدن، على اعتبار أن هذه الطريقة هي الأكثر نجاحًا في إضعاف وهج الدعاية الحوثية التي تلعب دورًا حاسمًا في حشد المقاتلين، وهي أقصر الطرق لإقناعهم بالدخول في مفاوضات جادة للوصول إلى صيغة سلام شاملة على الصعيد الوطني.
  • انتظام الأطراف المناوئة للحوثيين في كيان واحد وتحت قيادة واحدة من شأنه أن يختصر فعليًا أطراف الصراع في اليمن إلى طرفين اثنين: الحوثيين من جهة، والحكومة الشرعية من جهة أخرى. الأمر الذي يجعل من التفاوض والاتفاق فكرة أسهل قليلًا مما لو جرى بين أطراف متعددة مختلفة التوجهات والأهداف.

 

خلاصة

تنفيذ “اتفاق الرياض” يضعف جماعة الحوثي، ويخلق لديهم حوافز قوية للذهاب نحو عملية سلام شاملة.

 

توصيات:

  • لاتزال الفرصة سانحة أمام التحالف، وخصوصًا السعودية والإمارات، لتعزيز العمل المشترك من أجل إنقاذ اتفاق الرياض من الفشل نهائيًا، وذلك بالاستفادة من الأجواء الناجمة عن التطورات العسكرية الأخيرة التي تسجل من خلالها جماعة الحوثي نفسها كتهديد مستمر لا يستثني أي طرف من أطراف الاتفاق.
  • مواصلة عقد حوارات متعددة المستويات برعاية دول التحالف والأمم المتحدة، لتقريب وجهات النظر بين الموقعين على اتفاق الرياض حول القضايا والبنود محل الخلاف في نص الاتفاق وملحقاته وآلياته التنفيذية.
  • الاحتكام بصرامة إلى معايير واضحة وعادلة تحدد المتخلفين عن تنفيذ اتفاق الرياض، والتفاهم بين السعودية والإمارات لإعلان موقف موحد تجاه القوة المعيقة للاتفاق، والاشتراك في تحمل عواقب هذا الإعلان بالتنسيق مع الأمم المتحدة والدول المهتمة بالشأن اليمني.
  • تهيئة الظروف المطلوبة لتقوم الحكومة اليمنية المتفق عليها بتفعيل دورها في معالجة الوضع الاقتصادي المنهار، والذي يفاقم الأزمة الإنسانية في البلاد.
  • على الأمم المتحدة والمجتمع الدولي وكل الحريصين على تحقيق السلام في اليمن، مساعدة الحكومة اليمنية الشرعية على البقاء كمركز سلطة متماسك في الأراضي الواقعة خارج سيطرة الحوثيين. وفي حال فشل اتفاق الرياض نهائيًا فلا أمل لنجاح أية عملية سياسية لإنهاء الحرب على الصعيد الوطني.
الهوامش:

[1]– للاطلاع على نص اتفاق الرياض: https://almasdaronline.com/articles/173797

[2]– يمكن العودة في هذا الصدد إلى مقابلة مع محمد عزان أبرز مؤسسي الشباب المؤمن، في موقع صحيفة العرب:

https://alarab.co.uk/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%B9%D8%B2%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A-%D9%88%D8%AC%D9%91%D9%87-%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A8%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D9%85%D9%86-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9-%D9%85%D8%AA%D8%B7%D8%B1%D9%81

[3]– جماعة الحوثيين من منظور محلي: انبعاث الزيدية السياسية – مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية،

https://sanaacenter.org/ar/publications-all/analysis-ar/11959

[4] بلغ عدد المعتقلين 800 شخص بحسب ما نقلت وكالة إيرين الإنسانية عام 2008 عن حسن زيد، وهو سياسي زيدي متعاطف مع الحوثيين اغتيل نهاية 2019 في صنعاء: https://www.thenewhumanitarian.org/ar/report/890/%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B2%D8%A7%D8%B9-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%81%D8%B8%D8%A9-%D8%B5%D8%B9%D8%AF%D8%A9-%E2%80%93-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B7%D9%88%D8%B1

[5]– الحرب في صعدة: من تمرّدٍ محلّي إلى تحدٍّ وطني – مركز كارنيغي للشرق الأوسط:

https://carnegie-mec.org/2010/05/06/ar-pub-40759

[6] – بي بي سي عربي، صالح يوقع في الرياض على المبادرة الخليجية لحل أزمة اليمن، https://www.bbc.com/arabic/middleeast/2011/11/111123_saleh_gulf_agreement

[7] افتتاحية نشرت في موقع “أنصار الله” في 26 نوفمبر 2011 بعنوان “المبادرة الخليجية- الخيانة للشعب والأرض والوطن”، رابط المقال: https://www.ansarollah.com/archives/3181

[8]– لقراءة الوثيقة، انظر: https://constitutionnet.org/vl/item/alymn-wthyqt-alhwar-alwtny-alshaml

[9]– الجيش اليمني يسيطر بالكامل على زنجبار وجعار بعد طرد عناصر “القاعدة”، انظر:

https://www.france24.com/ar/20120612-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86-%D8%AC%D9%8A%D8%B4-%D8%B3%D9%8A%D8%B7%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D8%A9-%D8%B2%D9%86%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%AC%D9%86%D9%88%D8%A8

[10] – قرار تشكيل المجلس السياسي كما ورد في موقع وكالة الأنباء اليمنية “سبأ” الخاضع لسيطرة الحوثيين، انظر: https://www.saba.ye/ar/news435860.htm

[11]– للاطلاع على أهداف المجلس الانتقالي الجنوبي: https://stcaden.com/news/7459

[12]– “المعركة في مأرب وشبوة تضاعف أزمة الثقة بين حزب الإصلاح والتحالف”، حكيم محمد، مركز العربية السعيدة للدراسات:

https://arabiafelixstudies.com/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%A3%D8%B1%D8%A8-%D9%88%D8%B4%D8%A8%D9%88%D8%A9-%D8%AA%D8%B6%D8%A7%D8%B9%D9%81-%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%82%D8%A9/

[13]– عن تلك الأحداث، يمكن العودة إلى تحليل للكاتب في مركز صنعاء للدراسات، بتاريخ 22 سبتمبر 2019:

https://sanaacenter.org/ar/publications-all/analysis-ar/8099

[14] وزارة الخارجية الإيرانية تشكك بجدوى اتفاق الرياض، موقع قناة الميادين، https://www.almayadeen.net/news/politics/1357508/%D9%88%D8%B2%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D8%AC%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%B4%D9%83%D9%83-%D8%A8%D8%AC%D8%AF%D9%88%D9%89-%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%B6

أًعدت هذه الورقة ضمن مشروع "اتفاق الرياض وعملية السلام في اليمن: مخاطر الفشل وفرص النجاح"، الذي يُنَفَّذه مركز العربية السعيدة للدراسات، بدعم من مؤسسة فريدريش ايبرت الألمانية، ويهدف إلى فهم الأسباب التي حالت دون تنفيذ هذا الاتفاق، وتقديم توصيات استرشادية واقعية للأطراف المعنية، للدفع نحو تنفيذه.

محمد عبدالله محمد

باحث مساهم في مركز العربية السعيدة للدراسات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

مقر المركز
تابعونا على وسائل التواصل الاجتماعي

الاشتراك في النشرة البريدية

    جميع الحقوق محفوظة ©  لدى مركز العربية السعيدة للدراسات 2021

    Open chat