دراساتسياساترهانات “التحالف”: اتفاق الرياض كبديل استراتيجي للخروج من المأزق اليمني

16 فبراير، 2022by أحمد عليبه0

تتطرق هذه الورقة إلى الإجابة على تساؤل رئيسي يتمثل في ما إذا كان اتفاق الرياض يُمَثِّل بديلًا استراتيجيًا كمخرج للتحالف العربي من المأزق اليمني الراهن، بالإضافة إلى مناقشة الفرص والقيود التي يمثلها الاتفاق بشكل عام في مسار الانتقال من الصراع إلى التسوية.

 

 

أحمد عليبه

 

مقدمة

بشكل عام، هناك اتجاهان رئيسيان متعارضان يشكلان نمط التعاطي مع اتفاق الرياض (5 نوفمبر 2019)[1] بين الحكومة اليمنية المعترف بها وبين المجلس الانتقالي الجنوبي، يتمثل الاتجاه الأول في إعلان طرفي الاتفاق التمسك به بشكل دائم، وهو ما يمكن الاستدلال عليه من خطابهما السياسي المعلن، لكن فى المقابل هناك اتجاه آخر، يتمثل فى الفعل المضاد للاتفاق، ومراكمة التحديات بشكل مستمر. بالإضافة إلى العديد من التحديات الأخرى المتعلقة بالأطر الشكلية، من حيث الأهداف الاستراتيجية ومقاربة المضمون ما بين حلحلة الأزمات والنزاعات المتعددة في اليمن، فضلًا عن إشكالية توظيف الأطراف للاتفاق فى إطار مشروعات سياسية متباينة.

وعلى الجانب الآخر، تواصل المملكة العربية السعودية، بصفتها الراعي الرئيسي للاتفاق، مساعيها لدفع الأطراف إلى الاستجابة لتنفيذه[2]، واستضافت أكثر من جولة مفاوضات بعضها جمع الطرفين، والبعض الآخر من تلك الجولات استضافت فيه الأطراف بشكل منفرد، إلا أن نتائج تلك الاجتماعات لم تسفر عن تقدم فعلي في خطوات التنفيذ، الأمر الذي يطرح بدوره علامة استفهام حول استمرار الأطراف في عدم تنفيذ الاتفاق، وأوراق الضغط التي يمكن أن تستخدمها السعودية في هذا الصدد.

تتطرق هذه الورقة إلى الإجابة على تساؤل رئيسي يتمثل في ما إذا كان اتفاق الرياض يُمَثِّل بديلًا استراتيجيًا كمخرج للتحالف العربي من المأزق اليمني الراهن، بالإضافة إلى مناقشة الفرص والقيود التي يمثلها الاتفاق بشكل عام في مسار الانتقال من الصراع إلى التسوية.

 

أولًا: الدوافع والسياقات

في هذا السياق، من الأهمية بمكان التطرق إلى الدوافع الاستراتيجية لرعاية السعودية الاتفاق في إطار المقاربة ما بين الدوافع والنتائج الراهنة، في إطار عدد من النقاط الرئيسية، وهي:

يمكن القول إن دخول الحرب في اليمن عامها السابع يمثل أطول حرب انخرطت فيها السعودية بشكل عام، بما لذلك من تداعيات تتعلق بطبيعة المواجهة مع الحوثيين، بالنظر لما ينطوي عليه ذلك من مهددات استراتيجية تتعلق بأمن الحدود، والهجمات بالأسلحة المختلفة في العمق السعودي ضد أهداف حيوية، بالإضافة إلى كلفة هذه الحرب. وعلى المستوى السياسي، فإن عملية إدارة مواجهة مع جماعة الحوثي، في سياق حرب بالوكالة لصالح إيران، هي عملية معقدة أمنيًا، ناهيك عن أنه على المديين المتوسط والطويل، فإن الخطر الأوسع الذي تخشاه السعودية هو تبني الحركة الحوثية أيديولوجية إيرانية، وهو ما يمكن أن يشكل تهديدًا أكبر للسعودية، فوجود أدوات طائفية إيرانية مسلحة قد يضاعف من مخاوف السعودية إذا ما وضع في الاعتبار وجود فصائل شيعية مسلحة تدعمها إيران في العراق، شمال السعودية، حتى تظهر حركة أخرى في جنوب السعودية، وبالتالي فإن وكلاء إيران قد يشكلون تهديدًا من هذا الجانب[3].

في السياق ذاته، يمكن القول إن الجنوب اليمني قبل الوحدة كان يمثل التهديد ذاته للرياض، عندما كانت هناك دولة اشتراكية تشكل تهديدًا أيديولوجيًا على نمط آخر، يتعارض مع الأيديولوجية السعودية في ذلك التوقيت. ومن هذا المنطلق، فإن أزمات اليمن في مرحلة ما بعد الإطاحة بنظام علي عبدالله صالح، استدعت أكثر من مهدد في لحظة واحدة بالنسبة للسعودية؛ حركة تمرد تتبنى نهجًا إيرانيًا في الشمال، وظهور حركة تحمل اتجاهًا انفصاليًا في الجنوب، تتمثل في المجلس الانتقالي، وقبل ذلك فقدت السعودية الثقة في حلفائها المحليين، فتحالف الرئيس صالح مع الحوثيين كان بمثابة ضربة أخرى، لاسيما وأنها تمثل أول عملية إرباك متعمد من أحد حلفائها بعد توقيع اتفاق برعاية سعودية لتأمين انتقال السلطة في اليمن.

في ضوء ذلك التصور، يمكن الاستنتاج أن الحرب لم تكن خيارًا أو رغبة سعودية، لكن في الأخير دخلت السعودية الحرب، بشكل اضطراري بعد الإطاحة بالحكومة الشرعية[4]، ويمكن المجادلة بشأن تقييم الدور السعودي في الحرب، من حيث عدم القدرة على حسمها عسكريًا، إلا أن هناك أمثلة أخرى مناظرة قد تشكل واحدًا من جوانب التقييم؛ على سبيل المثال لم تنجح الولايات المتحدة في حسم الحرب ضد مليشيات شيعية متطرفة تدعهما إيران في العراق، أو مليشيات سنية متطرفة أيضًا في أفغانستان على مدى 20 عامًا.

من زواية أخرى، يمكن القول بأن هناك إشكالية حلفاء محليين في اليمن؛ فالحكومة الشرعية والانتقالي الجنوبي كلاهما يحظى بدعم سعودي، فبطبيعة الحال حافظت السعودية على وجود الشرعية اليمنية، كما أنها دعمت “الانتقالي”، في سياسة تنم عن اتجاه السعودية لاحتواء الأزمات في اليمن. لكن إذا ما بقيت “الشرعية” في اليمن، ولو في الجنوب، فلا توجد ضمانات أمنية لاستقرارها، ليس في ظل الصراع ما بين “الشرعية” والانتقالي فقط، ولكن أيضًا في ظل التوقع بأنها ستكون هدفًا للحوثيين، إذا ما وضعنا في الاعتبار أن أول طائرة كانت تضم حكومة الشرعية، وتوجهت إلى عدن في أعقاب الاتفاق، جرى استهدافها من الحوثيين. وهو ما يفسر استمرار السعودية في الإبقاء على الاتفاق وممارسة ضغوط ناعمة فقط لإبقاء الأطراف عليه.

كذلك، فإن السعودية تتحمل كلفة أزمات اليمن أكثر من غيرها. صحيح أن التهديدات الحوثية تمثل تهديدًا إقليميًا بشكل عام، لكن لا يمكن مقارنة التهديدات التي تتعرض لها السعودية على النحو الذي يتعرض له حلفاؤها الآخرون، كما يمكن النظر إلى أن هناك توجهات أخرى لأعضاء التحالف، فهناك من يرى بأنه كان يمكن دعم العمليات العسكرية لفترة من الزمن، لكن لا يمكن الاستمرار في حرب مفتوحة بلا أفق، فالإمارات، على سبيل المثال، قلصت دورها في العمليات العسكرية[5]، إلى جانب ذلك، هناك دول أخرى لديها تجارب ماضية حالت دون انخراطها في التحالف بشكل كبير، مثل مصر، وتتعامل مع الأزمة اليمنية بحسابات التهديدات التي تشكل خطرًا على أمنها القومي، لاسيما التهديدات الملاحية التي قد تنعكس على قناة السويس، وإن كانت المسألة تضامنية ليس فقط في إطار التحالف العربي لدعم “الشرعية”، وإنما أيضًا بالنسبة للعديد من دول العالم التي تعتبر عدم الاستقرار في المسرح العربي وفي الخليج وبحر العرب والبحر الأحمر، تهديدًا لمصالحها، وفى المقدمة بطبيعة الحال القوى الغربية كالولايات المتحدة والدول الأوروبية.

على هذا النحو، يمكن القول إن الرياض تواجه مأزقًا في استمرار الحرب في اليمن دون حسم، كما أنها لا يمكن أن تحذو حذو واشنطن في الانسحاب من العراق وأفغانستان، وترك البلاد غارقة في مشهد من الفوضى، فلا شك أن الفوضى الحالية في الأزمات اليمنية، ستكون أقل من سيناريو الفوضى المتوقع لو قررت السعودية الانسحاب من اليمن، حيث ستتجه البلاد إلى سيناريو “الصوملة” والتفكك بشكل يصعب معه إعادة تركيب أو إعادة بناء دولة في اليمن في المستقبل بأي شكل من الأشكال.

ووفقًا لهذه السياقات، يمكن الاستنتاج أن المأزق الحقيقي الذي دفع إلى اتفاق الرياض، يتعلق في المقام الأول باحتواء أزمات اليمن بشكل عام باعتبارها تهديدًا للسعودية، ومحاولة لإيجاد بديل استراتيجي آخر يتمثل في إيجاد موقع بديل للسلطة الشرعية فقط إذا ما خسرت المعركة في “مأرب”. صحيح أن مأرب ليست مركزًا لسلطة الشرعية، لكنها تمثل منطقة النفوذ العسكري لها، وإذا ما خسرتها سيكون من الصعوبة بمكان إعادة تعبئة قوات نظامية وشبه نظامية ضد المليشيا الحوثية، وتتمة للمشروع الحوثي في الهيمنة على شمال البلاد، لكن الأهم من ذلك هو الحفاظ على رمزية سياسية لـ”الشرعية”، وهو ما يضمنه اتفاق الرياض، كما يقوض من التوجهات الانفصالية للانتقالي الجنوبي، على نحو ما سلفت الإشارة، ومن ثم فإن اتفاق الرياض يشكل هدفًا استراتيجيًا متعدد الأبعاد.

 

ثانيًا: إشكاليات التنفيذ

في واقع الأمر، لا يمكن عزل التعثر الذي يشهده اتفاق الرياض عن سلسلة طويلة من الاتفاقات التي سبق التوصل إليها على مدى الصراع اليمني، ففي ظل تعدد وتنوع أزمات اليمن، هناك العديد من الاتفاقات مع الحوثيين لم تدخل حيز التنفيذ، بعضها تم الانقلاب عليها كاتفاق السلم والشراكة الذي تم توقيعه قبيل الانقلاب الحوثي على الحكومة الشرعية مباشرة. كذلك لايزال “اتفاق ستوكهولم” ساريًا من الناحية النظرية، لكن تم انتهاكه ميدانيًا من اليوم الأول لتوقيعه، وأيضًا لا يمكن استبعاد عملية تجميد مخرجات الحوار الوطني كاتفاق شامل بين القوى اليمنية، وأدرجت فى الوقت ذاته كإحدى مرجعيات عملية التسوية اليمنية.

        فى هذا السياق، وكاستنتاج عام في هذا الإطار؛ يمكن القول إن الاتفاقات الجزئية والشاملة التي تم التوصل إليها لتسوية أزمات اليمن، وضعت لكي لا تكون قابلة للتنفيذ عمليًا بالأساس، وهناك اعتبارات عديدة يمكن أن تفسر هذا الاتجاه الرئيسي، من أبزرها على سبيل المثال:

عامل التوظيف: فالاتفاقات تمنح أطرافها مشروعية سياسية؛ قبل الانقلاب الحوثي على “الشرعية” لم يكن هناك اعتراف بالمليشيا الحوثية، وحينما سُمح لها بالمشاركة في مؤتمر الحوار الوطني الشامل، ثم التوقيع معها على اتفاق السلم والشراكة، تم منحها مشروعية “المشاركة السياسية” فقط كأحد المكونات اليمنية. لكن مع إطلاق مفاوضات على المستوى الثنائي، بين الحوثيين والحكومة الشرعية، تحديدًا في جولة الحوار في ستوكهولم 2019، تحولت الحركة الحوثية إلى “طرف” سياسي فى معادلة ثنائية، ما يشكل نوعًا من الترقية السياسية، بغض النظر عن تنفيذ الاتفاق من عدمه. يمكن اعتماد القياس ذاته فى حالة الأزمة الجنوبية، إذ منح اتفاق الرياض مشروعية سياسية للمجلس الانتقالي الجنوبي، كطرف سياسي فى الاتفاق، بينما تمت تنحية مكونات “الحراك الجنوبي” الأخرى. وبالتالي فإن هذه الأطراف حصلت بموجب تلك الاتفاقات على “مشروعية مجانية” كأطراف في الاتفاقات دون تنفيذها.

ذهنية تفكيك الأزمة: في كثير من الصراعات والأزمات الإقليمية، كان هناك خريطة طريق واضحة للمسار السياسي لوقف الحرب، والانطلاق إلى عملية التسوية، بينما فى الحالة اليمنية إلى حد كبير تم التعامل مع الأزمات بشكل جزئي، من حيث الفصل بين الحوثيين و”الشرعية” في الحرب في الشمال. كذلك تم التعامل مع الأزمة الجنوبية فى إطار اتفاق الرياض بشكل مستقل، ويعكس ذلك غياب الرؤية الجامعة[6]، الأمر الذي يشكل نوعًا من التضارب فى الكثير من الأحيان بين مضمون تلك الاتفاقات؛ فاتفاق الرياض يتضمن إعادة تحشيد القوة العسكرية لمواجهة الحوثيين، بينما في الاتفاقيات والمبادرات مع الحوثيين يختلف الأمر، ومن ثم يمكن اعتبار اتفاق الرياض هو اتفاقًا تكتيكيًا أكثر منه اتفاقًا استراتيجيًا.

اتفاقات ظرفية: أغلب الاتفاقات التي يمكن الإشارة إليها فى الشأن اليمني، لا تعالج الإطار الشامل للصراع -كما سلفت الإشارة- بقدر ما توضع كرد فعل على تطورات الصراع وتفاعلات أطرافه، وبالتالي لا يمكن اعتبارها بأي حال من الاحوال اتفاقات دائمة، أو قابلة للحياة. وُقِّعَ “اتفاق ستوكهولم” بينما كانت القوات المشتركة على مشارف إحداث تغيير في معادلة المعركة في الحديدة، وهو سياق ربما يفهم منه أن القوى الدولية المنخرطة في الاتفاق اعتبرت أن دخول الحديدة سيكون له تكلفة كبيرة في صفوف المدنيين، وبغض النظر عن الجدل حول هذه الفرضية، لكن فى الحالة الجنوبية، وُقِّعَ اتفاق الرياض في إطار الصراع المسلح بين الحكومة والانتقالي، وهو ما يخصم من قدرات الحلفاء المحليين للتحالف لصالح الحوثيين، وبالتالي هو اتفاق اضطراري.

أدوار متشابكة: ثمة صعوبة في إمكانية فض التشابك في الدور السعودي تجاه الاتفاقات اليمنية، ما بين كونها وسيطًا أو راعيًا للاتفاقات، وأحيانًا أخرى ينظر إليها كطرف سياسي، من منظور عامل المصلحة كما هو في حالة اتفاق الرياض؛ فمن المؤكد أن مصلحة الرياض تتمثل في ضبط العلاقة والتفاعلات بين شركائها المحليين، في حالة الاتفاقات مع الحوثي. على الجانب الآخر، من الأهمية بمكان الوضع في الاعتبار أن السعودية تاريخيًا لديها مخاوف من الوضع الجنوبي؛ ومن المعتقد أن الأزمة اليمنية جددت هذا الهاجس مرة أخرى، بل يمكن القول بأنها ضاعفت من مخاطره.

غياب الإرادة السياسية: من جانب أطراف الاتفاقات، وهو ما تعكسه محصلة حالة التناقض ما بين القول والفعل، ومنظور الأطراف للاتفاقات فى إطار مقاربة التوظيف السالف الإشارة إليها، فهناك فجوة كبيرة ناجمة عن تباين منظور الأطراف لاتفاق الرياض[7]، فالانتقالى الجنوبي هو حركة انفصالية بالأساس تتجه إرادتها السياسية إلى كسب نقاط بالتدريج على أرضية مشروعها المؤجل، وفي المقابل فإن الحكومة الشرعية تسعى إلى فرض موازين قوى جديدة فى المشهد الجنوبي، تقلص من فرص “الانتقالي” في تحقيق هذا الهدف، رغم أنها وقَّعَت معه الاتفاق وهي تدرك ذلك. إذن، كانت المحصلة بالنسبة لها هي تحويل فائض الصراع المسلح إلى صراع سياسي، وليس تسوية سياسية.

        إن محصلة هذه المؤشرات الخمسة، تشكل مدخلًا كاشفًا لتعثر اتفاق الرياض، وما يحمله ذلك من تداعيات عديدة على إنجاز أية تسوية فى العموم، واتفاق الرياض على وجه الخصوص، لكن، فى المقابل لذلك، ورغم قائمة الإشكاليات التي يمكن سردها كعوامل لتعثر التنفيذ، لا يمكن التقليل من تداعيات الإبقاء على الاتفاق رغم تعثره، والإلحاح فى تنفيذه من آن لآخر؛ بالنظر إلى العديد من الفرص التي يمكن أن يشكلها هذا الاتفاق، ومنها على سبيل المثال:

تقويض الصدام المسلح بين أطرافه: كإطار “ظرفي” أو “اضطراري” تم وضع اتفاق الرياض لتفادي الصراع بين الأطراف المحلية المناهضة لجماعة الحوثي، ولتفادي فتح جبهة جديدة للصراع المسلح فى اليمن. إلى حد كبير شكّل الاتفاق جانبًا إيجابيًا من هذه الزاوية، رغم اندلاع صدام مسلحين مرتين بين طرفيه عقب إبرام الاتفاق، وتدريجيًا حالت طبيعة الانتشار العسكري المرتبة على الاتفاق، لاسيما على تخوم مدينة عدن، دون تجدد الصدام.

إعادة التموضع السياسي للحكومة كسلطة مركزية، وليس كسلطة إقليمية فى الجنوب: وفق الملحق السياسي للاتفاق، تم فرض منظور واضح إلى حد كبير للتميز بين أدوار الحكومة كسلطة مركزية، وبين “الانتقالي” كسلطة إقليمية بالنظر إلى صلاحيات كل طرف، صحيح أن هناك إشكاليات من حيث التطبيق، لكنها لا تعود إلى جوهر الاتفاق، بقدر ما يمكن ردها إلى طبيعة العلاقة الندية ما بين طرفي الاتفاق، وهو ما يظهر في ممارساتهم السياسية، ومحدودية المرونة فى هذه المساحة[8].

تقويض المشروع الانفصالي الجنوبي: فمن المتصور أن تحويل المجلس الانتقالى الجنوبي كمكون سياسي إلى سلطة سياسية إقليمية تحت مظلة السلطة المركزية، يقلل من المخاوف التي قد تنجم عن غياب سلطة مركزية ولو بشكل رمزي. صحيح أنه حتى الآن لم يمارس الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي صلاحياته الكاملة من الجنوب، ولاتزال هناك الكثير من العقبات أمام الوصول إلى هذه النقطة، لكن البعض من تلك الصلاحيات تمت في إطار تنفيذ بعض بنود الاتفاق. لكن رئيس الحكومة، معين عبدالملك، يقوم بزيارات إلى عدن من آن لآخر. يمكن أيضًا الإشارة إلى أن موارد الجنوب قد لا تسمح لـ”الانتقالي” أو للحكومة بانفراد أي منهما بالسلطة السياسية، وستظل هناك حاجة من جانب الطرفين للسعودية للحصول على دعم اقتصادي.

 

ثالثًا: مستقبل الاتفاق

من المتصور أن هناك أربعة سيناريوهات مستقبلية واردة بالنسبة لمستقبل الاتفاق، وهي بالتدريج على نحو ما هو مرجح يمكن التطرق إليها على النحو التالي:

الأول: سيناريو استمرار التعثر

وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا، على الأقل في المدى المتوسط، في ظل غياب الإرادة السياسية لدى أطرافه، وعدم الاستجابة الكافية لتنفيذه، أو التنفيذ الجزئي بالتدريج تحت الضغط وبحسب الحاجة إلى المضي في تنفيذ بعض البنود، أو الملاحق. هذا السيناريو سيبقي على الاتفاق من الناحية السياسية، وهو ما يحقق الحد الأدنى من الأهداف الاستراتيجية أو بالأحرى الدوافع، وهي صيغة مقبولة مرحليًا، لكن في حال حدوث توتر أو اضطراب في الأزمات الأخرى، لاسيما في حالة سقوط جبهة مأرب في يد الحوثيين، سيكون هذا السيناريو إشكالية.

الثاني: تنفيذ الاتفاق

ذلك يتطلب إدخال تعديلات على الاتفاق، كما يتطلب ممارسة ضغوط على طرفيه من جانب الراعي السعودي. ومن المتصور، أيضًا، أن تكون هناك عوامل ظرفية جديدة تضغط على الأطراف لتنفيذ الاتفاق، ولا يشترط أن يتم التنفيذ بشكل حرفي للاتفاق، ولكن على الأقل من الناحية الشكلية قد تتشكل دوافع لهذا الاطار.

الثالث: انتكاس الاتفاق

وهو سياق وارد، إذا ما جاءت نتائج الضغوط على هذا الاتفاق بنتائج عكسية، أو انسحاب أحد طرفيه منه. وإن كان هذا السيناريو هو الأقل احتمالًا، لكن لا يمكن استبعاده من الحسابات كلية، بخاصة وأنه في ظل تراكم المشكلات، وتنامي التصعيد السياسي بين طرفيه، قد تخرج الأمور عن السيطرة مرة أخرى.

الرابع: السيناريو المفاجئ

السيناريو المفاجئ، أو غير المتوقع، مثل عدم الحاجة إلى الاتفاق ذاته، بانتهاء أسبابه أو المخاوف منه، وربما من المتصور أن هناك تطورات قيد التشكل قد تفضي إلى متغير في المشهد، من الأهمية بمكان وضعها في الاعتبار، إذ قد تقود إلى تناقص الأهمية الاستراتيجية لاتفاق الرياض، ومن أبزرها:

أ- التحول في مسار العمليات العسكرية للتحالف: مع اتجاه التحالف لتركيز ضرباته العسكرية على مواقع حيوية في العاصمة صنعاء، لاسيما مطار صنعاء، خلال شهر ديسمبر 2021، وهي نقطة تحول رئيسية في مسار العمليات العسكرية، ستدفع المليشيا الحوثية إلى الانكفاء مرة أخرى على العاصمة، وتخفيف الضغط على جبهة “مأرب”. ويبدو أن هناك مزاجًا دوليًا داعمًا لهذا التحول، كرد فعل مضاد على مواصلة الحوثيين هجماتهم على منشآت حيوية في العمق السعودي[9]، بالإضافة إلى أن أغلب القوى الدولية تدرك أن الحوثيين حولوا معظم الأصول المدنية إلى أصول عسكرية، وهو ما يظهر من إحداثيات الهجمات الحوثية على السعودية، وسيقود هذا التحول إلى متغيرات استراتيجية شاملة، تقلل من الاعتمادية على أطراف “اتفاق الرياض” في عملية التعبئة المضادة ضد الحوثيين.

ب- متغير الموقف الإيراني: يقود هذا الاتجاه عدد من المؤشرات التي ظهرت في النصف الثاني من شهر ديسمبر 2021، منها سحب إيران سفيرها لدى المليشيا الحوثية، حسن إيرلو، بدعوى إصابته بفيروس كورونا، بينما لم تعلن عن بديل له، أو أنه سيعود مرة أخرى إلى العاصمة صنعاء، وتمت عملية إجلائه من اليمن بوساطة عراقية -عمانية، وموافقة سعودية[10]، وفارق الحياة لاحقًا وسط تضارب في أسباب الوفاة. أما المؤشر الآخر فهو اللقاء الذي جرى بين المبعوث الأممي إلى إيران، بيتر سامني (سويدي الجنسية)، مع كبير مستشاري وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية الخاصة علي أصغر خاجي، وأعلن سامني، عقب اللقاء الحصري الخاص باليمن، عن ضرورة التوصل لوقف إطلاق النار، وحل أزمة ناقلة النفط اليمنية “صافر”، وهو مؤشر إلى أن الملف تم تناوله بالتفصيل، واستعراض الأطراف شروطهم بشكل استباقي قبل الإعلان عن أية مبادرة للتسوية، يضاف إلى ذلك إعلان زعيم الحركة الحوثية، عبدالملك الحوثي، القبول بمبادرة فرنسية للتسوية. وتعكس هذه المؤشرات أن طهران تسعى إلى تحريك الملف اليمني كبادرة لتحسين موقف إيران مع القوى الأوروبية، بالتواكب مع مسار المفاوضات الخاصة بالملف النووي الإيراني. وقد يقود هذا الاتجاه إلى استدارة إيرانية في الملف اليمني، ستدفع الجماعة الحوثية إلى إعادة تقييم موقفها مرة أخرى من التصعيد العسكري، وهو عنصر داعم للاتجاه السالف الإشارة إليه، إذ سيقود أيضًا إلى عدم تعويل التحالف على “اتفاق الرياض” كخطة بديلة لإنقاذ “الشرعية”.

 

رابعًا: توصيات مقترحة لأطراف الاتفاق

بالنظر إلى الواقع السياسي الراهن، فإن الرهان على تعزيز الفرص للمضي نحو تنفيذ الاتفاق، قد يشكل عامل إنقاذ للاتفاق، ومخرجًا استراتيجيًا من المأزق الراهن في اليمن؛ لكافة الأطراف، وليس فقط للتحالف العربي الداعم للحكومة الشرعية في البلاد، ويمكن ذلك إذا ما توفرت الاعتبارات التالية:

1- توصيات عامة:

استدراك اللحظة الحالية:

من الناحية الجوهرية، قد يشكل اتفاق الرياض، اتفاق الفرصة الأخيرة لكافة الأطراف، سواء طرفي الاتفاق أو الطرف الراعي للاتفاق، لإعادة لململة المشهد اليمني المبعثر. يمكن تشخيص التحديات والعراقيل، ويمكن وضع الخطط لتلافيها، لكن من المهم استدراك عامل الزمن الذي يمضي دون الانتقال من دائرة الفوضى والصراع والأزمات المتعددة، إلى بناء نموذج ولو جزئي للاستقرار في اليمن، وهو ما ينبغي أن يشكل الاتجاه الاستراتيجي الرئيس لدى كافة الأطراف، فالاتفاق، أو التوافق السياسي، هو بين المكونات السياسية التي يفترض أن تقف على أرضية واحدة، وهي أرضية المشروع الوطني، مع الوضع في الاعتبار أن السلطة في كافة الحالات، سواء الحكومة أو السلطة الإقليمية في الجنوب، هي سلطة هشة بالنظر إلى الوضع الهش سياسيًا وأمنيًا بشكل عام.

إن وجود اتفاق الرياض، وتمسك أطرافه به، هو خطوة أولوية يمكن البناء عليها في حال توافرت الإرادة السياسية للمضي في تنفيذه. ويمكن القول بأن الفرص المتاحة للتنفيذ يمكنها التغلب على العراقيل التي أدت إلى تعثره خلال المرحلة السابقة، لاسيما وأن هناك نوعًا من الاستقرار الأمني نسبيًا في إطار العلاقة بين طرفي الاتفاق، مع وقف التصعيد المسلح. لكن تظل هناك حاجة لخريطة طريق جديدة، وجدول أعمال واضح، لتنفيذ بنود الاتفاق، وبالتالي قد تكون المبادرة الأولى للمضي في ذلك تقع على عاتق لجنة المتابعة التي أقرها الاتفاق، والتي يتعين عليها المقاربة ما بين النص وخطوات التنفيذ، وفى المقام الأول يتعين على طرفي الاتفاق التوقف عن حملات تبادل الاتهامات، والتصعيد الإعلامي، مبدئيًا، تجاه بعضهما البعض.

معالجة المعضلة النخبوية:

لا شك أن هناك معضلة هيكلية بحاجة إلى معالجة أولية قبل المبادرة إلى تغيير الواضع الحالي، وهي أن هناك معضلة نخبوبة في اليمن، محملة بإرث متخم من ثقافة وسلوك الصراع، ومن ثم هناك حاجة لوضع حد لهذه المعضلة، ثم تأتي المبادرة لإصلاح الواقع المتردي في المشهد الراهن، وذلك لا يحتاج إلى عامل المصالحة السياسية بين “الانتقالي” و”الشرعية”، بقدر ما يحتاج إلى عامل بناء الثقة، والتخلي عن ثقافة الهيمنة والغنيمة وتصارع المشروعات، وسباق بناء موازين القوى استعدادًا للحظة مواجهة جديدة، بينما يتمزق اليمن على وقع الحرب، في الوقت الذي يحتاج فيه إلى التفاؤل ببناء نموذج يحمل الأمل لليمنيين.

إعادة الاعتبار للدولة:

كمشروع رئيسي، وأولوية استراتيجية، يجب أن تنصرف إليه إرادة كافة الأطراف، بما فيها طرفي الاتفاق، بالإضافة إلى الرياض كراعٍ وكوسيط للاتفاق. لا يمكن الاقتصار على الغايات التكتيكية التي تنحصر في عملية تثبيت السلطة على أرض رخوة سياسيًا وأمنيًا واجتماعيًا واقتصاديًا.

استثمار الدعم الخارجي:

هناك دعم دولي وإقليمي لتنفيذ اتفاق الرياض، وفقًا للبيان الختامي للقمة الخليجية 42، بالإضافة إلى بيان الرباعية (السعودية والإمارات والولايات المتحدة وبريطانيا)، إضافة إلى موقف مجلس الأمن الدولي. هناك دعم كبير للمضي في تنفيذ اتفاق الرياض، وبالتالي فإن استجابة طرفي الاتفاق لهذه الدعوات قد تمكنهم من استثمار الفرصة في الحصول على الدعم المطلوب لإحداث نقلة نوعية في المناطق المحررة[11].

2– التحالف العربي دعم الشرعية:

قد يكون من الأهمية بمكان إعادة تقييم الأوضاع في الأزمة اليمنية، كنقطة نظام لإعادة ترتيب الأوراق المختلطة، وعدم الارتهان للضغوط التي تمارسها الحركة الحوثية في الميدان، عبر التصعيد العسكري، إذ إن استمرار تعثر “اتفاق الرياض” يشكل مكسبًا للحوثيين، كونه يخصم من رصيد باقي الأطراف، التي إذا ما تحولت إلى كتلة مضادة للحوثيين، ربما ستشكل عاملًا ضاغطًا للحركة الحوثية، وبالتالي قد يصبح اتفاق الرياض ذاته مخرجًا أو نموذجًا لتسوية الأزمة في الشمال، وليس مجرد ورقة ضغط على كافة الأطراف لزيادة عامل التصعيد وإعادة التحشيد.

لكن ما يغيب في هذه الجزئية هو عامل بناء النموذج السياسي والأمني والاقتصادي في الأراضي المحررة. هكذا يجب النظر إلى هذا الملف، كهدف استراتيجي، وعدم الاقتصار على الأهداف التكتيكية، ويمكن الانتقال إلى هذه النقطة من خلال معالجة الإشكاليات والقيود التي تناولتها هذه الورقة، وفى المقدمة منها النظر إلى الدروس المستفادة من الأزمة اليمنية بشكل عام، فعلى سبيل المثال:

  • هناك حاجة إلى إعادة النظر في الترتيبات الأمنية؛ صحيح أن بعض الترتيبات الأمنية في محيط عدن شكلت عاملًا جيدًا للفصل وإبعاد الأطراف عن بعضها البعض، لكن الخطوة التالية، هي كيف يمكن إعادة بناء وترتيب نموذج أمني في الجنوب، يراعي تأمين الجنوب كمنطقة محررة، وفي الوقت ذاته يستوعب عملية بناء قوة أمنية “نظامية”، ويستثمر فيها بشكل احترافي، كبديل للعشوائية السائدة في النموذج اليمني بشكل عام؛ ما يتطلب وضع خطة لإعادة بناء الأكاديميات العسكرية والأمنية، وإرساء عقيدة عسكرية وطنية لا تنحاز لمشروع سياسي، وبناء حرس وطني في جنوب البلاد يلبي الاحتياجات الجنوبية واليمنية، مع تعزيز عملية إدماج القوة العسكرية بعقيدة وطنية بعيدًا عن الاستقطاب السياسي والأيديولوجي.
  • عملية بناء النموذج تتطلب، أيضًا، ترقية الأصول الاقتصادية والموارد، في إطار مشروع تنمية جاذبة في الجنوب، تمتد إلى باقي المناطق المحررة. لا يمكن الاعتماد فقط على النفط. هناك الكثير من الموارد التي يمكن تنميتها، قد يكون من بينها إعادة تأهيل الموانئ الساحلية بشكل جيد، مع ترتيب الصلاحيات الاقتصادية للحكومة ولسلطة الإقليم بشكل مرن، لا يقود إلى نوع من الفصل، أو التعامل بمنطق الاستحواذ والهيمنة. وفي واقع الأمر هناك جدل حول أولوية تطبيق الملاحق الواردة في اتفاق الرياض، لكن من المؤكد أن المحلق الاقتصادي قد يشكل أولوية، كما أنه قد يشكل البداية الممكنة للتقريب ما بين الأطراف.

3- الحكومة الشرعية:

من المتصور أن الحكومة الشرعية هي الحلقة الأضعف في هذا الاتفاق، ويتعين عليها بالتالي اتخاذ بعض الخطوات، ومنها:

  • اتخاذ خطوات فعلية للتقارب مع المجلس الانتقالي الجنوبي، كمدخل أولي لإعادة بناء اصطفافات سياسية داعمة لـ”الشرعية” كإطار واسع للسلطة في البلاد، وتَفَهُّم أن سلطة “الانتقالي” كسلطة إقليمية لا تشكل عامل خصم من رصيد السلطة الشرعية، وبالتالي وضع إطار تكاملي للسلطة، وتوضيح الخطوط الفاصلة في تلك الصلاحيات، والتعامل معها بقدر من المرونة، والتخلي عن النظرة السياسية المعادية لـ”الانتقالي” والتعامل معه كند سياسي. قد يكون من بين تلك الخطوات التوقف عن خطاب تحميل “الانتقالي” المسؤولية عن الفشل في تنفيذ الاتفاق، وإعادة بناء الثقة مجددًا في هذه العلاقة.
  • تحتاج السلطة الشرعية إلى عملية إعادة التعريف بها كسلطة وطنية يمكنها استيعاب كافة الأطراف سياسيًا، بدلًا من القفز إلى مربع التوتر والاحتراب، فعمليًا لا يمكن اختزال المشروع الوطني في فكرة إحراز نصر في الحرب في اليمن، قد يتحقق، وعلى الأغلب هناك صعوبات هائلة في تحقيقه؛ ومن ثم فإن حسابات الاستيعاب تعني قيام “الشرعية” باستقطاب “الانتقالي” لصفها، وليس العكس، وهو الدور الذي يتعين على الرئيس هادي القيام به. لا يمكن للتحالف القيام بكافة الأدوار، فهناك مساحة يمكن للرئيس هادي لعب أدوار فيها لإحداث توازن ما بين كافة الأطراف، وعدم الانحياز لطرف على حساب الآخر، أو لمشروع سياسي ضد آخر، وإنما الانحياز لمشروع استعادة الدولة في المقام الأول، حتى يكون هناك ما يمكن تقاسمه من سلطة وثروة بين جميع الأطراف، وبالتالي التخلي عن ثقافة التعامل مع الأزمات بمنطق الغنيمة؛ ففي حال غياب الدولة سيدفع الجميع كلفة الفوضى.

4- المجلس الانتقالي:

قد لا يمثل المجلس الانتقالي، في الإطار العام، حركة انفصالية، لكن نمط وسلوك إدارة “الانتقالي” للأزمة يضعه في هذه الدائرة، وبالتالي فإن هناك حاجة إلى إعادة تعريف لـ”الانتقالي” ودوره في المشهد السياسي كقوة وطنية، قبل تعريفه كسلطة إقليمية، وأيضًا، إعادة تعريفه كسلطة إقليمية لها صلاحيات معينة، وليس كسلطة انتقالية، وهو ما يتطلب النظر إلى:

  • أولوية إعادة الاعتبار لاستعادة الدولة في اليمن كأولوية، فلا يمكن تعزيز توجه الانفصال في حالة رخوة وضعف سياسي في كافة عموم البلاد، كنوع من الانتهازية السياسية. وبالنظر إلى اتفاق الرياض، فإن اعتباره مجرد مسوغ لمنح “الانتقالي” مشروعية سياسية، هو عامل مؤقت قابل لسحبه، لاسيما وأنه قد تمت الإشارة إلى عامل الموارد، لكن في الوقت ذاته حتى وإن سنحت الفرصة للانفصال، استنادًا إلى القوة بشكل عام، قد لا تكون هناك فرصة مواتية بالفعل لتنفيذ مشروع انفصالي لن يحظى باعتراف خارجي، فهناك هواجس لدى دول المنطقة من هذا الأمر، وبالتالي قد يكون في صالح “الانتقالي” تعزيز روابط وديناميات الوحدة التي لم تتحقق عمليًا خلال فترة الوحدة، وهو ما يتطلب إعادة تعريف الهوية السياسية لـ”الانتقالي”.
  • احتواء القوى السياسية الجنوبية، وعدم الانفراد بشكل أحادي بسلطة الأمر الواقع، فخسارة أي طرف هي عامل ضعف، وليس عامل قوة، مع ضرورة إعادة النظر في الحاجة إلى تعزيز موقع “الانتقالي” من خلال تلبية المطالب الفعلية للجنوب. صحيح أن هناك مظالم سياسية شكلت محور القضية الجنوبية، لكن من الأهمية بمكان إعادة الاعتبار للمواطن الجنوبي المتضرر من الصراع ومساعي فرض النفوذ، والواقع أن المواطن الجنوبي يتحمل كلفة هذا الصراع في الوقت الذي يحتاج فيه الخدمات والتنمية أولًا.

خلاصة:

يشكّل اتفاق الرياض مبادرة هامة لإعادة ترتيب الوضع اليمني، لا تقتصر فقط على الأزمة بين طرفيه، مع الوضع في الاعتبار أنه قد يكون فرصة للتسوية مع أطراف أخرى كالحركة الحوثية؛ إذا ما نجح الاتفاق في تشكيل النموذج الممكن لتقاسم السلطة بين الحكومة و”الانتقالي”، ثم الاتجاه نحو الهدف الرئيسي، وهو إعادة بناء الدولة.

وكما سلفت الإشارة، فإن الاتفاقات في اليمن وضعت لكي لا تُنَفَّذ، بالنظر إلى العراقيل العديدة التي يختلقها أطرافها، لكن رغم عدم المضي في تنفيذ الاتفاقات، هناك ضرورة للإبقاء عليها، وعدم الانسحاب منها، وهذه نقطة مهمة جدًا، على الأقل، من فرص حدوث سيناريو الانتكاس.

لقد تشكلت حكومة في إطار تنفيذ الاتفاق، وهي خطوة مهمة، بالإضافة إلى الخطوات الأخرى في عملية تشكيل سلطة الاتفاق، إضافة إلى بعض الترتيبات الأمنية المحدودة، لكن في الأخير رغم تعثر الاتفاق، فإن سياسة الخطوة خطوة قد تكون سياقًا مقبولًا أفضل من سياسة العودة إلى الصدام المسلح.

الهوامش:

[1]– نص اتفاق الرياض كاملًا بين الحكومة اليمنية الشرعية والمجلس الانتقالي، على الرابط التالي:

https://www.peaceagreements.org/viewdocument/3281

[2]– أحمد نصير، استكمال تنفيذ اتفاق الرياض.. جهود سعودية ودعوات دولية، موقع “العين الإخبارية”، 2021/12/17، متاح على الرابط التالي: https://al-ain.com/article/completing-implementation-riyadh-agreement-yemen

[3]– Brian Murphy, for Saudi Arabia, Struggles in Yemen have Deep Roots, Washington Post, April 5, 2015. Available At: https://www.washingtonpost.com/world/middle_east/for-saudi-arabia-struggles-in-yemen-have-deep-roots/2015/04/04/0ca4065e-9414-4f57-8347-21c52ff6a194_story.html

[4]– Tara Kavaler, Saudi Arabia Looks for Yemen Exit Strategy, Themedialine, 06/09/2020.

Available At: https://themedialine.org/by-region/saudi-arabia-looks-for-yemen-exit-strategy/

[5]– Ibrahim Jalal, the UAE may have withdrawn from Yemen, but its Influence Remains Strong, Middle East Institute, February 25, 2020. Available At: https://www.mei.edu/publications/uae-may-have-withdrawn-yemen-its-influence-remains-strong

[6]– أحمد عليبة، ذهنية التفكيك: إشكاليات التعامل مع ملفات الصراعات والأزمات في الإقليم، موقع “الحائط العربي”، 7 أكتوبر 2021. متاح على الرابط التالي: https://arabwall.com/%D8%A5%D8%B4%D9%83%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D9%85%D9%84-%D9%85%D8%B9-%D9%85%D9%84%D9%81%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%A7/

[7]– مصطفى النعمان، اتفاق الرياض والآلية بين الواقع والتمني، إندبندنت عربية، 4 أغسطس 2020، متاح على الرابط التالي:

https://www.independentarabia.com/node/140286/%D8%A2%D8%B1%D8%A7%D8%A1/%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%B6-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A2%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%86%D9%8A

[8]– Khaled Ameen, Yemen’s Power-Sharing Cabinet: What is At Stake?, Sanaa Center, April 5, 2021.

Available At: https://sanaacenter.org/publications/analysis/13695

[9]– Samy Magdy, Saudi Coalition Says It Targeted Rebel-Held Yemen Airport, Washington Post, 20 Dec 2021. Available At: https://www.washingtonpost.com/world/saudi-coalition-says-it-targeted-rebel-held-yemen-airport/2021/12/20/309aa486-61ce-11ec-9b51-7131fa190c5e_story.html

[10]– Dion Nissenbaum, Iran’s Top Diplomat in Yemen Leaves the Country, wsj, Dec. 18, 2021. Available At: https://www.wsj.com/articles/irans-top-diplomat-in-yemen-leaves-the-country-11639868219

[11]– Daniel Egel, and others, Building an Enduring Peace in Yemen, RAND Corporation, 2021.

Available At: https://www.rand.org/pubs/research_reports/RRA733-1.html

أًعدت هذه الورقة ضمن مشروع "اتفاق الرياض وعملية السلام في اليمن: مخاطر الفشل وفرص النجاح"، الذي يُنَفَّذه مركز العربية السعيدة للدراسات، بدعم من مؤسسة فريدريش ايبرت الألمانية، ويهدف إلى فهم الأسباب التي حالت دون تنفيذ هذا الاتفاق، وتقديم توصيات استرشادية واقعية للأطراف المعنية، للدفع نحو تنفيذه.

أحمد عليبه

أحمد عليبه باحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، ورئيس وحدة دراسات التسلح ببرنامج الأمن والدفاع في المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، وباحث ماجستير في العلوم السياسية بكلية الدراسات الافريقية العليا، متخصص فى العلاقات المدينة العسكرية، والصراعات الاقليمية، وحاصل على دراسات عليا في المفاوضات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة. وقام بتغطية ميدانية صحافية للعديد من الحروب والصراعات والازمات في اليمن وغزة وليبيا والسودان كمراسل عسكري لصحيفة الأهرام. حضر وشارك في العديد من الدورات والفعاليات والمؤتمرات الدولية العسكرية والأمنية، في أكاديمية ناصر العسكرية العليا، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وحلف شمال الأطلسي “ الناتو”، وشارك بأوراق أكاديمية فى العديد من المؤتمرات الدولية والإقليمية العربية والإفريقية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

مقر المركز
تابعونا على وسائل التواصل الاجتماعي

الاشتراك في النشرة البريدية

    جميع الحقوق محفوظة ©  لدى مركز العربية السعيدة للدراسات 2021

    Open chat